حينما يصبح العلماء فاسدين

حينما يصبح العلماء فاسدين


حينما يُذكَرُ العالِمُ، تُستحضَرُ في الأذهان صورةُ الأمانة، والعدل، والورع، وحراسة القيم. لكنّ هذه الصورة تبدأ في التصدّع حين يتحوّل بعضُ من يتصدّرون المشهد الديني إلى أدواتِ نفوذ، لا إلى ضمائر حيّة، وحين يُستَخدَمُ العلمُ ستارًا لممارساتٍ تُناقِضُ مقاصده، وتُفرِّغُ رسالته من معناها.
في عددٍ من المجالس العلمية، ومنها ما يُتداوَلُ عن المجلس العلمي ببني ملال، تُطرَحُ أسئلةٌ ثقيلة لا يمكن القفز فوقها، تتعلّق بنزاهة تدبير الشأن الديني، وبحدود التداخل بين “التوجيه” و“التزوير”، وبين “الاختيار” و“الإقصاء”.
تزوير اختبارات… حين يُهان الاستحقاق
الاختباراتُ التي يُفترض أن تكون بوّابةً عادلة لانتقاء الأئمة والخطباء الأكفاء، تحوّلت – بحسب شكاوى متكرّرة – إلى إجراءات شكلية، تُحسَم نتائجُها سلفًا. تُمنَحُ النقاطُ لا على أساس الكفاءة العلمية ولا سلامة المنهج، بل وفق القرب والولاء، فيُقصى المؤهَّل، ويُمرَّرُ غيرُه. هنا لا يُهان فردٌ بعينه، بل تُهان فكرةُ الاستحقاق ذاتها، ويُقتَلُ الأملُ في عدالةٍ تُنصِفُ المجتهدين.
اختيار الأئمة بالتعليمات… لا بالمعايير
أخطرُ ما يواجه المؤسسة الدينية هو أن يُستبدَلَ ميزانُ العلم والتقوى بـ“التعليمات”. حين يصبح الإمامُ موظفًا يُختار على مقاس الخطاب المطلوب، لا على قدرته على تبليغ الحق، يتحوّل المنبر من مساحة هداية إلى منصة ترديد. في هذه الحالة، لا يعود السؤال: من الأعلم؟ بل: من الأكثر طواعية؟ ومن الأقل إزعاجًا؟
الاتهام الجاهز… سلاح الإقصاء
وحين لا تكفي التعليمات ولا التزوير، يُستحضَرُ الاتهام الجاهز: الانتماء إلى جماعات محظورة. تهمةٌ فضفاضة، تُرمى بها سمعة الأئمة لتبرير إقصائهم، دون محاكمات عادلة، ولا قرائن واضحة، ولا حقّ في الدفاع. يُدان الإنسانُ بالنوايا، ويُعاقَبُ بالاشتباه، في مشهدٍ يُذكّر بأسوأ ممارسات الإقصاء السياسي، لا بأخلاق العلماء.
حرمان من الحقوق… مواطنون من درجة ثانية
الإمامُ أو الخطيبُ الذي يُقصى بهذه الطرق لا يُحرَمُ فقط من منصبه، بل من حقوقه كمواطن: يُشوَّهُ اسمه، ويُضيَّقُ عليه في رزقه، وتُغلَقُ في وجهه الأبواب. كلُّ ذلك باسم “المصلحة العامة”، بينما الحقيقة أن المصلحة تُضرَبُ في الصميم حين يُظلَمُ أصحابُ الرسالة.
من فساد الأفراد إلى فساد المنظومة
الخطرُ لا يكمن في أخطاءٍ فردية، بل في تحوّلها إلى منظومة محميّة بالصمت. حين يسكتُ العلماء الصادقون، ويتواطأُ المتنفّذون، يصبح الفسادُ قاعدة، ويغدو الإصلاحُ استثناءً مُكلِفًا. آنذاك، يفقد الناس ثقتهم في الخطاب الديني، ويبحثون عن بدائل قد تكون أكثر تطرفًا أو أكثر فراغًا.
كلمة أخيرة
ليس هذا المقالُ حربًا على العلماء، بل دفاعٌ عن مكانتهم. فالعالِمُ الحقيقيّ لا يخشى المحاسبة، ولا يستقوي بالسلطة، ولا يظلم ليحافظ على كرسي. إنّ إنقاذَ المؤسسة الدينية يبدأ بإعادة الاعتبار للعدل والشفافية، وبفصل العلم عن التعليمات، والمنبر عن التوظيف، وإلا فإن السؤال سيظلّ معلّقًا ومؤلمًا:
ماذا يبقى من العلم… حينما يصبح العلماء فاسدين؟
موقع تجارتي" هو منصة الكترونية متخصصة في تصميم تجربة التسوق المتكاملة. يتيح الموقع للمبتدئين إنشاء مدونة إلكترونية رئيسية بسهولة، مع أدوات مبتكرة للمنتجات، الطلبات، والشحن. يوفر "موقع تجارت…

إرسال تعليق

© مفهوم. All rights reserved.