🇪🇸 موقف بعد تهديد : سيادة القانون أم ضغوط القوة؟
أثار الجدل السياسي الذي تلا تهديد الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب بقطع العلاقات التجارية مع إسبانيا – ووصفه لها بأنها "فظيعة" – موجة نقاش واسعة في الأوساط الأوروبية والأطلسية، خصوصًا بعد رفض مدريد استخدام قاعدتي روتا ومورون لشن هجمات ضد إيران.
هذا الموقف لم يكن مجرد خلاف دبلوماسي عابر، بل كشف عن توازنات دقيقة بين السيادة الوطنية، والتحالفات العسكرية، والقانون الدولي، والمصالح الاقتصادية داخل الاتحاد الأوروبي.
دعونا نتوسع في أبعاد القضية:
أولًا: القاعدتان العسكريتان… ما أهميتهما؟
🔹 قاعدة روتا (Rota)
تقع قاعدة روتا البحرية في جنوب إسبانيا، وهي من أهم المنشآت العسكرية المشتركة بين إسبانيا والولايات المتحدة.
تُستخدم لدعم عمليات الأسطول الأمريكي في البحر المتوسط وأفريقيا، كما تُعد جزءًا من منظومة الدرع الصاروخي لحلف الناتو.
🔹 قاعدة مورون (Morón)
أما قاعدة مورون الجوية فتُستخدم كنقطة انطلاق لعمليات سريعة في أفريقيا والشرق الأوسط، وتستضيف قوات أمريكية بصفة دائمة.
📌 النقطة الجوهرية:
رغم الوجود الأمريكي، تبقى القاعدتان أراضيَ إسبانية ذات سيادة، ويخضع استخدامهما لاتفاقيات دفاعية ثنائية، وليس لقرار أحادي من واشنطن.
ثانيًا: "السيادة أولًا" — موقف حكومة
وزير الخارجية الإسباني كان واضحًا في تصريحه:
"القواعد العسكرية أرض سيادية إسبانية، واستخدامها يجب أن يكون وفق الاتفاقيات الثنائية وميثاق الأمم المتحدة."
ماذا يعني هذا عمليًا؟
-
أي عمل عسكري انطلاقًا من الأراضي الإسبانية يجب أن يكون:
- دفاعيًا أو بموجب قرار أممي.
- أو في إطار واضح من حلف الناتو.
-
الهجوم على إيران – إن لم يكن دفاعًا مباشرًا – قد يُعد خرقًا لـ وميثاقها.
📌 هنا تضع مدريد نفسها في خانة "الالتزام بالقانون الدولي"، لا في خانة المواجهة مع واشنطن، وهو تفريق دبلوماسي ذكي.
ثالثًا: "التجارة بيد أوروبا" — الرد القانوني المحكم
عندما لوّح ترامب بقطع العلاقات التجارية مع إسبانيا، جاء الرد الإسباني حاسمًا:
إسبانيا ليست كيانًا تجاريًا منفردًا في النظام الدولي، بل عضو في .
ما معنى ذلك؟
- السياسة التجارية تُدار من المفوضية الأوروبية.
- أي عقوبات أمريكية على إسبانيا وحدها تُعد استهدافًا للاتحاد الأوروبي ككل.
- الرد لن يكون إسبانيًا فقط، بل أوروبيًا جماعيًا.
وهذا يغير موازين القوة:
بدل أن تكون المعادلة:
واشنطن 🇺🇸 ضد مدريد 🇪🇸
تصبح:
واشنطن 🇺🇸 ضد بروكسل 🇪🇺
وهنا تختلف الحسابات الاستراتيجية والاقتصادية بشكل جذري.
رابعًا: تحدي نسبة الـ 5% من الإنفاق العسكري
طالب ترامب سابقًا برفع إنفاق دول الناتو إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي — وهي نسبة تفوق بكثير الهدف المتفق عليه داخل (2%).
إسبانيا رفضت هذا الطلب واعتبرته:
- غير واقعي اقتصاديًا.
- عبئًا على الإنفاق الاجتماعي.
- خروجًا عن التوافق الجماعي داخل الناتو.
لماذا 5% رقم ضخم؟
لأن:
- حتى الولايات المتحدة نفسها لا تنفق دائمًا 5% باستمرار.
- معظم الدول الأوروبية بالكاد تقترب من 2%.
إسبانيا ترى أن الأمن لا يُقاس فقط بميزانية عسكرية، بل أيضًا:
- بالاستقرار الاجتماعي،
- بالاستثمار في التعليم،
- وبالقوة الاقتصادية.
خامسًا: هل نحن أمام تصدع أطلسي؟
هذه الأزمة تعكس تحولات أعمق:
-
تصاعد النزعة السيادية في أوروبا
أوروبا تسعى لاستقلالية استراتيجية أكبر، خاصة بعد أزمات متتالية (أوكرانيا، الطاقة، التوتر مع الصين وإيران). -
الاختلاف في تعريف التهديد
واشنطن قد ترى إيران تهديدًا مباشرًا لمصالحها.
مدريد ترى أن التصعيد العسكري قد يجر أوروبا إلى صراع إقليمي لا يخدم استقرارها. -
تحول في ميزان الخطاب
لم تعد دول أوروبا الغربية تتعامل مع الضغوط الأمريكية بردود دبلوماسية ناعمة فقط، بل باتت تستخدم القانون الأوروبي كسلاح سياسي.
سادسًا: قراءة في خلفيات الموقف الإسباني
هناك أيضًا عوامل داخلية:
- حكومة سانشيز ذات توجه يساري-اجتماعي نسبيًا.
- الرأي العام الإسباني عمومًا لا يميل إلى الانخراط في حروب خارجية.
- الحساسية التاريخية من استخدام الأراضي الإسبانية كمنصة لضرب دول أخرى.
إسبانيا لا تريد أن تُصوَّر كطرف في صراع أمريكي–إيراني، بل كدولة أوروبية تلتزم بالقانون الدولي.
خلاصة المشهد
ما حدث ليس مجرد خلاف حول قاعدتين عسكريتين، بل هو:
- اختبار للسيادة الوطنية.
- اختبار لوحدة الاتحاد الأوروبي.
- اختبار لمستقبل العلاقة عبر الأطلسي.
إسبانيا اختارت أن تقول:
نحن حلفاء، لكننا لسنا تابعين.
نحن جزء من الناتو، لكننا أيضًا دولة ذات سيادة.
ونحن عضو في أوروبا قبل أن نكون ورقة في لعبة الضغط الأمريكية.
ويبقى السؤال الأهم:
هل ستتجه العلاقات الأمريكية–الأوروبية نحو إعادة تعريف جديدة تقوم على الندية، أم أن الضغوط الاقتصادية ستعيد موازين الطاعة القديمة؟
إذا أردت، يمكنني أن أحول هذا التحليل إلى مقال جاهز للنشر في مدونتك بأسلوب أكثر حدة وجاذبية للقراء.
