Lorem ipsum dolor sit amet, consectetur adipiscing elit. Test link

اجتماعي a

مفهوم الستر فى الإسلام : الحجاب والنقاب بين التقاليد والشرعية

مفهوم الستر فى الإسلام : الحجاب والنقاب بين التقاليد والشرعية



قراءة فقهية تاريخية بعيدًا عن الغلو والتوظيف الإيديولوجي

مقدمة: حين يختلط الدين بالعادات

قضية الحجاب والنقاب ليست مجرد مسألة لباس، بل هي مسألة فقهية وتاريخية واجتماعية معقدة، اختلط فيها النص بالعرف، والشرع بالتقاليد، وأحيانًا الدين بالسلطة الذكورية أو السياسية. ولذلك فإن تناول هذا الموضوع يحتاج إلى قدر من الإنصاف والهدوء، بعيدًا عن الغلو من جهة، وبعيدًا عن التفريط من جهة أخرى.

ليس المقصود هنا الدفاع عن نمط اجتماعي معين، ولا مهاجمة آخر، بل محاولة فهم النصوص في سياقها، والتمييز بين ما هو شرعي ثابت، وما هو عرفي متغير، مع تسليط الضوء على قضية مهمة كثيرًا ما يتم تجاهلها: الفرق بين الحرة والجارية في الفقه الإسلامي القديم، وكيف أثّر ذلك في أحكام اللباس.


أولًا: الحجاب في القرآن – النص وما يدل عليه

وردت آيات الحجاب في موضعين أساسيين:

1) قوله تعالى:

﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ... وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾
(النور: 31)

هذه الآية أصل في وجوب الستر على المرأة المسلمة، وقد اتفق الفقهاء على وجوب ستر الجسد عدا ما اختلفوا فيه: هل الوجه والكفان داخلان في العورة أم لا؟

  • جمهور الفقهاء (المالكية، الشافعية، الحنفية) قالوا إن الوجه والكفين ليسا عورة في الأصل.
  • الحنابلة شدد بعضهم وقال بوجوب ستر الوجه.

2) قوله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ﴾
(الأحزاب: 59)

سبب النزول – كما في كتب التفسير – أن بعض المنافقين كانوا يؤذون النساء ليلًا، فإذا قيل لهم قالوا: حسبناهن إماء. فجاءت الآية لتُميِّز الحرائر عن الإماء حتى لا يتعرضن للأذى.

وهنا تظهر مسألة محورية: الحجاب كان يحمل بُعدًا اجتماعيًا يتعلق بالتمييز بين الحرة والجارية.


ثانيًا: الحرة والجارية… التفريق الفقهي الذي يُغفل اليوم

من المسائل التي لا يناقشها الخطاب المعاصر غالبًا أن الفقهاء فرقوا بين الحرة والأمة (الجارية) في أحكام العورة.

  • الحرة: يجب عليها ستر جميع بدنها إلا ما اختلف فيه (الوجه والكفين).
  • الأمة (الجارية): جمهور الفقهاء قالوا إن عورتها كعورة الرجل، أي ما بين السرة والركبة.

وقد ورد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان ينهى الإماء عن التشبه بالحرائر في اللباس، حتى لا يختلط الأمر.

هذا التفريق لم يكن عبثًا، بل كان قائمًا على بنية اجتماعية قديمة كان فيها نظام الرق قائمًا. فاللباس كان يحمل وظيفة اجتماعية: يحدد الطبقة والمكانة.

لكن السؤال الجوهري اليوم:
إذا كان نظام الرق قد انتهى، فهل يبقى هذا التفريق؟
هنا يقرر الفقه المعاصر أن الأحكام المرتبطة بنظام اجتماعي زال، يُعاد النظر في تنزيلها.

إذن، لا يجوز أن نتجاهل هذا السياق التاريخي، ولا أن نقدّم الفقه القديم وكأنه معزول عن واقعه.


ثالثًا: هل النقاب فريضة أم خلاف فقهي؟

النقاب تحديدًا – أي تغطية الوجه – محل خلاف قديم بين العلماء.

القول الأول: الوجوب

استدلوا بآية الجلباب، وبحديث عائشة رضي الله عنها:

“كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم محرمات، فإذا حاذونا سدلت إحدانا جلبابها على وجهها.”

ورأوا أن الوجه مظنة الفتنة.

القول الثاني: الاستحباب أو الإباحة

استدلوا بحديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

“يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يُرى منها إلا هذا وهذا”
وأشار إلى الوجه والكفين.
(وإن كان الحديث مختلفًا في سنده، لكنه اعتمد عند كثير من الفقهاء في تقرير عدم وجوب تغطية الوجه).

وكذلك استدلوا بوقائع الحج، حيث كانت النساء يطفن ولم يُؤمرن بالنقاب صراحة، بل نُهين عن لبس النقاب في الإحرام، ولو كان واجبًا لما نُهي عنه.

إذن:
النقاب مسألة خلافية معتبرة، وليس من الإنصاف تقديمه كأنه محل إجماع.


رابعًا: بين الغلو والتفريط

الغلو يظهر حين يتحول النقاب إلى معيار إيمان، أو يُفرض بالقوة، أو يُستخدم كأداة للسيطرة الاجتماعية.
والتفريط يظهر حين يُقدَّم الحجاب كله على أنه مجرد عادة قبلية لا علاقة لها بالدين.

الحق بين ذلك:

  • الحجاب أصل شرعي ثابت.
  • كيفية تطبيقه فيها سعة واجتهاد.
  • النقاب ليس محل إجماع.
  • لا يجوز تكفير أو تخوين أو احتقار من اختارت أحد القولين.

الدين ليس أداة امتلاك، ولا وسيلة استعباد.
المرأة في الإسلام مكلفة، عاقلة، مسؤولة أمام الله، وليست تابعًا فاقد الإرادة.


خامسًا: التقاليد… متى تدخل في الدين؟

في مجتمعات كثيرة، اختلط اللباس الشرعي باللباس المحلي:

  • في المغرب: الجلباب التقليدي.
  • في الخليج: العباءة.
  • في أفغانستان: البرقع.
  • في مناطق أخرى: أزياء متنوعة.

كل هذه أشكال ثقافية، وليست نصوصًا مقدسة.
الشرع لم يحدد لونًا معينًا، ولا شكلًا محددًا، بل وضع ضوابط عامة:

  1. أن يكون ساترًا.
  2. غير شفاف.
  3. غير ضيق يصف الجسد.
  4. غير ملفت بقصد الإثارة.

أما الشكل فمتروك للعرف.


سادسًا: ما الصحيح وما غير الصحيح؟

الصحيح:

  • وجوب ستر المرأة بدنها وفق ضوابط الشرع.
  • وجود خلاف معتبر في ستر الوجه.
  • التفريق التاريخي بين الحرة والجارية في كتب الفقه.
  • أن الأحكام نزلت في سياق اجتماعي معين.

غير الصحيح:

  • الادعاء بوجود إجماع على النقاب.
  • اعتبار الحجاب مجرد عادة بلا أصل شرعي.
  • استخدام النصوص لتكريس الهيمنة الذكورية.
  • تجاهل السياق التاريخي للرق وأثره في الفقه.

خاتمة: نحو قراءة متوازنة

الحجاب ليس شعار صراع، ولا راية أيديولوجية، ولا سلاحًا سياسيًا.
هو عبادة في أصلها، وسلوك اجتماعي في تنزيلها، واجتهاد فقهي في تفصيلها.

وإذا أردنا أن نتعامل مع هذه القضية بوعي، فعلينا أن:

  • نقرأ النصوص كاملة.
  • نفهم أسباب النزول.
  • نميز بين الثابت والمتغير.
  • نحترم الخلاف الفقهي.
  • نرفض الغلو كما نرفض التفريط.

فالشرع أوسع من أن يُختزل في لون لباس، وأعمق من أن يُختطف لخدمة نزعة تملك أو قهر.
والمرأة في الإسلام ليست موضوعًا للنقاش، بل شريكًا في التكليف والمسؤولية.

وبين التقاليد والشرعية… تبقى العبرة بالفهم العادل، لا بالصوت الأعلى.

مفهوم منصة معرفية تهدف إلى تبسيط الأفكار العميقة، وتنمية الوعي والتفكير النقدي، عبر مقالات رصينة تُقارب قضايا الفكر، الثقافة، والإنسان بلغة واضحة ورؤية متزنة، بعيدًا عن السطحية والتلقين.

إرسال تعليق

© مفهوم. All rights reserved.