من الأولى بالأخوّة: الأخ في الوطن أم الأخ في الدين؟
مقدمة
من أكثر الأسئلة التي تكشف تعقيد العلاقات الإنسانية سؤال يبدو بسيطًا في ظاهره: من الأولى بالأخوّة، الإنسان الذي يشاركني الوطن أم الإنسان الذي يشاركني الدين؟
قد يبدو الجواب واضحًا بالنسبة إلى البعض؛ فالمتدين قد يرى أن رابطة العقيدة أعمق وأقوى من رابطة الحدود والجغرافيا، بينما يرى الوطني أن الإنسان الذي يعيش معه في الوطن نفسه، ويتقاسم معه الأرض واللغة والتاريخ والمصير والمصالح اليومية، هو الأقرب والأولى بالرعاية.
لكن المشكلة تبدأ عندما نحاول تحويل إحدى الرابطتين إلى قاعدة مطلقة.
فالإنسان لا يعيش في دائرة واحدة. قد يكون له وطن، وأسرة، ولغة، وثقافة، ودين، ومهنة، وصداقات، وقيم إنسانية مشتركة مع أشخاص من أماكن وأديان مختلفة. وهذه الدوائر قد تتوافق أحيانًا، وقد تتعارض أحيانًا أخرى.
لذلك فالسؤال الحقيقي ربما ليس: أيّهما أقوى مطلقًا؟
بل: متى تكون رابطة الوطن هي الأهم؟ ومتى تكون رابطة الدين مؤثرة؟ وهل توجد رابطة أوسع منهما جميعًا، هي رابطة الإنسان بالإنسان؟
أولًا: ماذا نعني بالأخوّة؟
قبل أن نحكم بين الأخ في الوطن والأخ في الدين، ينبغي أن نحدد معنى الأخوّة.
الأخوّة ليست بالضرورة علاقة دم، وإنما قد تكون رابطة تقوم على:
- القرابة.
- الدين.
- الوطن.
- اللغة.
- الثقافة.
- المصالح المشتركة.
- الصداقة.
- القيم والمبادئ.
- أو مجرد الاشتراك في الإنسانية.
ولهذا يمكن أن يكون الإنسان قريبًا جدًا من شخص لا يشاركه الدين، بينما يكون بعيدًا عن شخص يشاركه الدين.
وقد نجد شخصين من الدين نفسه، لكن بينهما عداء واستغلال وظلم، بينما نجد شخصًا مختلفًا في الدين يقف إلى جانبنا في أصعب الظروف.
وهنا تظهر حقيقة مهمة:
الانتماء وحده لا يصنع الأخوّة الحقيقية، وإنما طريقة تعامل الإنسان مع أخيه هي التي تمنح هذه الرابطة قيمتها الأخلاقية.
ثانيًا: حجج من يرى أن الأخ في الدين أولى
بالنسبة إلى المؤمنين بالأديان، وخصوصًا في التصور الإسلامي، فإن الدين لا يمثل مجرد هوية ثقافية، بل يمثل منظومة من الاعتقادات والقيم والواجبات.
ولهذا نجد في التراث الإسلامي مفهوم الأخوّة الإيمانية حاضرًا بقوة، ومن أشهر النصوص في هذا الباب قوله تعالى:
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾
ومن هذا المنظور، فإن الاشتراك في العقيدة ينشئ رابطة تتجاوز الحدود السياسية.
فالمسلم في المغرب، وفق هذا التصور، يشترك في عقيدته مع مسلم في إندونيسيا أو السنغال أو تركيا أو غيرها، رغم اختلاف اللغة والثقافة والجنسية.
ومن هنا يمكن فهم فكرة أن الدين قادر على بناء شعور بالتضامن يتجاوز الحدود.
1. الدين يتجاوز الحدود
الدولة الحديثة تقوم على الحدود والجنسية والقوانين، أما الدين فيمكن أن يكون عابرًا للحدود.
فالمؤمن قد يشعر بالقرب من شخص يشاركه معتقده ولو كان يبعد عنه آلاف الكيلومترات.
وهذه ميزة مهمة للدين باعتباره رابطة اجتماعية وثقافية وروحية.
2. رابطة الدين قد تنتج التضامن
الأديان عمومًا تدعو إلى مساعدة المحتاج، وإغاثة المظلوم، والعناية بالفقراء، وحماية الضعفاء.
ومن الناحية التاريخية، ساهمت المؤسسات الدينية في بناء شبكات واسعة من التكافل الاجتماعي.
3. الدين قد يمنح الإنسان هوية مشتركة
الإنسان لا يبحث فقط عن المصالح المادية، وإنما يبحث أيضًا عن معنى ينتمي إليه.
والدين بالنسبة إلى المؤمنين يوفر منظومة من المعاني والقيم والطقوس والذاكرة المشتركة.
4. لكن هذه الرابطة ليست ضمانًا للأخلاق
وهنا يجب أن نكون منصفين.
كون شخصين ينتميان إلى الدين نفسه لا يعني تلقائيًا أنهما سيكونان متحابين أو عادلين.
فقد يظلم الإنسان شخصًا من دينه، وقد يستغل فقره، أو يخونه، أو يحتقره، أو يختلف معه سياسيًا أو اجتماعيًا.
إذن:
الأخوّة الدينية يمكن أن تكون رابطة قوية، لكنها ليست ضمانًا تلقائيًا للسلوك الأخلاقي.
ثالثًا: حجج من يرى أن الأخ في الوطن أولى
أما أنصار أولوية الوطن، فينظرون إلى المسألة من زاوية مختلفة.
فالوطن ليس مجرد قطعة أرض، وإنما هو المجال الذي يعيش فيه الإنسان ويعمل ويدرس ويتلقى العلاج ويدفع الضرائب ويشارك في الاقتصاد ويتحمل نتائج القرارات السياسية.
وقد يكون المواطن الذي يعيش بجوارك مختلفًا عنك في الدين والمذهب والفكر، لكنه يشترك معك في تفاصيل حياتية لا يشترك فيها معك شخص يعيش في قارة أخرى.
1. الوطن مصير مشترك
عندما تحدث أزمة اقتصادية، فإن آثارها قد تصيب المواطنين جميعًا.
وعندما تقع كارثة طبيعية، لا تسأل الكارثة الإنسان عن دينه.
وعندما يحتاج مستشفى إلى موارد، فإن المواطن والمواطن الآخر يقفان أمام النظام الصحي نفسه.
وعندما يواجه البلد خطرًا أمنيًا أو أزمة اقتصادية أو كارثة طبيعية، فإن الجميع يتحملون آثارها.
وهنا تصبح المواطنة رابطة عملية وليست مجرد شعار.
2. المواطن المختلف دينيًا ليس غريبًا بالضرورة
قد يكون مواطن بلدك مختلفًا عنك في العقيدة، لكنه قد يكون ابن مدينتك، وجارك، وزميلك، وشريكك في العمل، وصديق طفولتك.
وقد يكون جدّه وجدّك عاشا في المدينة نفسها، ودفنا في المقبرة نفسها، واشتركا في تاريخ البلد نفسه.
فهل يصبح فجأة "أقل أخوّة" لمجرد اختلافه الديني؟
هذا السؤال يستحق التفكير.
3. المواطنة تقوم على المساواة في الحقوق والواجبات
الدولة الحديثة لا تستطيع أن تعمل بصورة مستقرة إذا كان المواطنون يُقسمون إلى طبقات حسب معتقداتهم.
فالقانون يحتاج إلى قاعدة واضحة:
المواطنون متساوون في الحقوق والواجبات أمام القانون.
ومن هنا تصبح المواطنة إطارًا عمليًا لتنظيم الحياة المشتركة.
رابعًا: أين تكمن المشكلة؟
المشكلة تظهر عندما تتحول إحدى الرابطتين إلى أداة لإلغاء الأخرى.
فإذا قال شخص:
"لا يهمني إلا أخي في الدين، ولو ظلمت أبناء وطني."
فهذا موقف خطير اجتماعيًا؛ لأنه يجعل العقيدة ذريعة لتجاوز حقوق المواطنين.
وفي المقابل، إذا قال شخص:
"لا قيمة لأي رابطة دينية، والمهم فقط الجنسية."
فهو أيضًا يتجاهل حقيقة أن الدين بالنسبة إلى ملايين البشر يمثل جزءًا عميقًا من هويتهم ووجدانهم.
إذن كلا التطرفين يختزل الإنسان.
خامسًا: هل يمكن أن يتعارض الدين مع الوطن؟
نعم، يمكن أن يحدث التعارض في بعض الحالات، لكن ينبغي التفريق بين الدين نفسه وبين تفسير الإنسان للدين.
فقد يرى شخص أن واجبه الديني يفرض عليه موقفًا معينًا، بينما يرى القانون الوطني شيئًا آخر.
وقد ينشأ خلاف سياسي أو فكري حول قضايا تتعلق بالحرب أو الهجرة أو العلاقات الدولية أو الحقوق المدنية أو الحريات.
وهنا يصبح السؤال أكثر صعوبة:
إذا تعارضت مصلحة جماعة دينية مع مصلحة الوطن، فأين يقف الإنسان؟
لا توجد إجابة واحدة تصلح لكل الحالات.
فإذا كان المقصود هو مخالفة قانون عادل يحمي حقوق الجميع، فإن المواطنة تفرض احترام القانون.
أما إذا كان القانون نفسه يفرض ظلمًا واضحًا أو اضطهادًا أو تمييزًا، فإن المسألة تصبح أخلاقية قبل أن تكون وطنية أو دينية.
وهنا تظهر قيمة الضمير.
سادسًا: هل الوطن مقدس؟
ينبغي أيضًا التمييز بين حب الوطن وتقديس الوطن.
حب الإنسان لبلده شعور طبيعي ومفهوم.
أن يحب لغته، ومدينته، وذكرياته، وأهله، وتاريخه، وأن يريد الخير لبلده، فهذا أمر إيجابي.
لكن تحويل الوطن إلى شيء مقدس بحيث يصبح كل نقد له خيانة، وكل معارضة جريمة أخلاقية، وكل اختلاف معه عداوة، قد يقود إلى نوع من التعصب الوطني.
الوطن كيان بشري ومؤسسات ومجتمع وتاريخ.
ولهذا فمن الممكن أن يحب الإنسان وطنه بشدة، وفي الوقت نفسه ينتقد الفساد والظلم وسوء الإدارة.
بل إن النقد الصادق قد يكون أحيانًا أحد أشكال حب الوطن.
سابعًا: وهل الدين مقدس بالنسبة إلى الجميع؟
بالنسبة إلى المؤمن، قد يكون الدين مقدسًا ومصدرًا للمعنى والقيم.
لكن ليس كل البشر مؤمنين بالدين نفسه، وبعضهم لا يؤمن بأي دين.
ومن هنا لا يمكن بناء العلاقات المدنية على افتراض أن الجميع يشتركون في الإيمان نفسه.
فالمجتمع الحديث يتكون من مؤمنين بمذاهب وأديان مختلفة، ومن أشخاص غير متدينين أيضًا.
وهؤلاء جميعًا يحتاجون إلى العيش تحت إطار مشترك يحمي حقوقهم.
ولهذا فإن المواطنة يمكن أن تكون مساحة مشتركة بين أشخاص يختلفون جذريًا في قناعاتهم الخاصة.
ثامنًا: ماذا لو كان أخوك في الدين ظالمًا؟
هذه ربما أهم نقطة في الموضوع.
تخيل أن شخصًا من دينك اعتدى على إنسان آخر، وكان المعتدى عليه من دين مختلف.
هل تقف إلى جانب المعتدي لأنه "أخوك في الدين"؟
الجواب الأخلاقي ينبغي أن يكون: لا.
فالظلم لا يصبح عدلًا بسبب اشتراك الناس في الدين.
بل إن نصرة القريب أو صاحب العقيدة في الظلم تفسد معنى الأخوّة نفسها.
الأخ الحقيقي ليس من تساعده على الظلم، وإنما من تمنعه منه.
وهنا تتقدم قيمة العدل على مجرد الانتماء.
تاسعًا: وماذا لو كان أخوك في الوطن ظالمًا؟
والأمر نفسه ينطبق على الوطن.
إذا ارتكب مواطن من بلدك جريمة أو ظلم إنسانًا، فلا يصبح بريئًا لمجرد أنه يحمل جنسيتك.
وإذا أخطأت مؤسسات الدولة، فلا يصبح الخطأ صوابًا لمجرد أن المؤسسة وطنية.
الوطنية الحقيقية لا تعني الدفاع عن كل شيء يصدر باسم الوطن.
إنها تعني السعي إلى أن يكون الوطن أكثر عدلًا وحرية وأمنًا وازدهارًا.
عاشرًا: الإنسان قبل الهوية
هناك مستوى أعمق من الوطن والدين، وهو الإنسانية.
قبل أن يكون الإنسان مسلمًا أو مسيحيًا أو يهوديًا أو بوذيًا أو غير متدين، وقبل أن يكون مغربيًا أو فرنسيًا أو أمريكيًا أو إفريقيًا، فهو إنسان له كرامة ومشاعر وحقوق.
وقد يكون هذا المبدأ هو المساحة الأخلاقية التي يستطيع المختلفون جميعًا الالتقاء فيها.
فالطفل الجائع لا يصبح أقل استحقاقًا للمساعدة لأن دينه مختلف.
والإنسان الذي يتعرض للتعذيب لا يفقد حقه في الكرامة بسبب جنسيته.
واللاجئ الهارب من الحرب لا يتحول إلى إنسان بلا قيمة بسبب اختلافه الثقافي.
وهنا تصبح الإنسانية قاعدة أخلاقية تتجاوز الانتماءات الضيقة.
الحادي عشر: هل ينبغي أن نختار أصلًا؟
ربما السؤال نفسه يحتاج إلى إعادة صياغة.
فليس من الضروري أن يقول الإنسان:
إما أخي في الدين أو أخي في الوطن.
يمكنه أن يقول:
لي أخ في الدين، ولي أخ في الوطن، ولي أخ في الإنسانية، ولكل علاقة مجالها وحقوقها.
فالأخ في الدين قد تجمعني به عقيدة مشتركة.
والأخ في الوطن تجمعني به أرض ومؤسسات ومصالح ومصير مشترك.
والإنسان المختلف عني في الدين والوطن تجمعني به الإنسانية.
وهذه الروابط ليست بالضرورة متنافسة.
الثاني عشر: أيهما أولى في المساعدة؟
هنا ينبغي أن نفرق بين الأولوية الأخلاقية والأولوية العملية.
إذا كان أمامك شخصان يحتاجان إلى المساعدة، فلا ينبغي أن تكون الجنسية أو الدين وحدهما معيارًا للحكم.
الأقرب إليك قد تكون له أولوية عملية؛ كأن يكون جارًا أو قريبًا أو شخصًا تحت مسؤوليتك.
والأشد حاجة قد تكون له أولوية أخلاقية؛ فقد يكون أحدهما معرضًا للموت والآخر يحتاج إلى مساعدة بسيطة.
والأكثر ظلمًا قد يحتاج إلى إنصاف عاجل.
إذن معيار الأولوية يمكن أن يكون:
- شدة الحاجة.
- درجة الخطر.
- القدرة على المساعدة.
- المسؤولية المباشرة.
- العدالة.
- القرابة.
- الالتزام القانوني.
وليس الدين أو الجنسية وحدهما.
الثالث عشر: في زمن العولمة
العالم اليوم مختلف عن العالم القديم.
الإنسان يستطيع أن يعمل مع شخص في الصين، ويتعلم من أستاذ في الولايات المتحدة، ويتابع صديقًا في المغرب، ويتزوج من شخص من بلد آخر، ويتعامل تجاريًا مع شركة في أوروبا.
لقد أصبحت العلاقات الإنسانية عابرة للحدود.
وفي الوقت نفسه، ما زالت الدولة الوطنية هي الإطار الأساسي للقانون والتعليم والصحة والأمن والاقتصاد.
ولهذا نحن أمام مستويين متداخلين:
المواطنة من جهة، والإنسانية العالمية من جهة أخرى.
أما الدين، فهو بالنسبة للمؤمنين مستوى ثالث من الانتماء.
والحكمة ليست في إلغاء هذه المستويات، وإنما في معرفة حدود كل واحد منها.
الرابع عشر: متى تكون الأخوّة الدينية جميلة؟
تكون جميلة عندما تدفع الإنسان إلى:
- مساعدة المحتاج.
- إغاثة المظلوم.
- الصدق.
- الرحمة.
- التسامح.
- احترام المختلف.
- مكافحة الظلم.
- خدمة المجتمع.
لكنها تفقد قيمتها عندما تتحول إلى:
- تعصب.
- كراهية للآخر.
- تبرير للظلم.
- إلغاء للمواطن المختلف.
- احتقار لمن لا يشارك العقيدة نفسها.
فالمشكلة ليست في وجود رابطة دينية، وإنما في كيفية استخدامها.
الخامس عشر: ومتى تكون الوطنية جميلة؟
الوطنية تكون جميلة عندما تدفع الإنسان إلى:
- حماية وطنه.
- احترام القانون.
- المحافظة على الممتلكات العامة.
- خدمة المجتمع.
- الدفاع عن حقوق المواطنين.
- محاربة الفساد.
- احترام التنوع.
- العمل من أجل مستقبل أفضل.
لكنها تصبح خطيرة عندما تتحول إلى:
- عنصرية.
- كراهية للأجانب.
- تقديس للدولة.
- رفض للنقد.
- تبرير للظلم باسم المصلحة الوطنية.
فكما أن الدين يمكن أن يُساء استخدامه، يمكن أيضًا إساءة استخدام الوطنية.
السادس عشر: ماذا يقول العقل الأخلاقي؟
لو وضعنا الدين والوطن جانبًا للحظة وسألنا سؤالًا بسيطًا:
هل من العدل أن أظلم إنسانًا لأنه مختلف عني؟
سيكون الجواب الأخلاقي الطبيعي: لا.
ولو سألنا:
هل من العدل أن أساعد إنسانًا لأنه قريب مني حتى لو كان ظالمًا؟
فالجواب أيضًا: لا.
وهذا يقودنا إلى قاعدة ربما تكون أكثر اتزانًا:
لا تجعل الانتماء أقوى من العدالة.
فقد يكون الإنسان الذي ينتمي إليك أخلاقيًا بعيدًا عنك، وقد يكون المختلف عنك أكثر قربًا منك في القيم والسلوك.
السابع عشر: الأخوّة ليست شعارًا
كثيرًا ما نتحدث عن الأخوّة، ولكن الاختبار الحقيقي لها لا يكون عندما نكون متفقين.
الاختبار الحقيقي يبدأ عندما نختلف.
إذا كان المسلم يحب المسلم فقط عندما يوافقه، فهذه ليست أخوّة كاملة.
وإذا كان المواطن يحب المواطن فقط عندما يؤيده سياسيًا، فهذه ليست وطنية ناضجة.
وإذا كان الإنسان يحترم المختلف فقط عندما يكون المختلف ضعيفًا، فهذه ليست إنسانية حقيقية.
الأخوّة الحقيقية تظهر عندما يكون الآخر مختلفًا، ضعيفًا، أو في موقف لا نستفيد منه شخصيًا.
الثامن عشر: إذن من الأولى: الأخ في الوطن أم الأخ في الدين؟
بعد هذا التفصيل، يبدو أن إعطاء إجابة مطلقة سيكون تبسيطًا لمسألة معقدة.
الأخ في الدين له حق الأخوّة الدينية، كما أن الأخ في الوطن له حق المواطنة، وكلاهما إنسان له حق الكرامة والعدل.
لكن إذا كان السؤال عن الحياة السياسية والقانونية داخل الدولة، فإن رابطة المواطنة هي الإطار الأكثر ملاءمة؛ لأن الدولة الحديثة لا تستطيع أن تضمن الحقوق على أساس الانتماء الديني.
أما إذا كان السؤال عن الانتماء الديني والروحي، فالمؤمن من حقه أن يرى في شريكه في العقيدة أخًا له في الدين.
لكن عندما يتعلق الأمر بالعدل والحقوق والكرامة الإنسانية، فلا ينبغي أن يكون الدين أو الجنسية مبررًا لظلم إنسان آخر.
الخلاصة
ربما لا يكون السؤال الصحيح:
من الأولى: أخي في الدين أم أخي في الوطن؟
بل:
كيف أكون وفيًا لديني إن كنت متدينًا، ولوطني إن كنت وطنيًا، ولإنسانيتي في الوقت نفسه، دون أن أجعل أي انتماء ذريعة لظلم الآخرين؟
يمكن للإنسان أن يحب وطنه دون أن يكره أو يحتقر أو يظلم من ليس من وطنه.
ويمكن للمؤمن أن يحب أبناء دينه دون أن يحول اختلاف العقيدة إلى عداوة.
ويمكن لغير المتدين أن يحترم المتدين دون أن يؤمن بعقيدته.
ويمكن للجميع أن يلتقوا على قاعدة بسيطة:
الإنسان لا يستحق الاحترام لأنه من جماعتنا فقط، ولا يفقده لأنه ليس منها.
فالأخ في الدين له مكانته.
والأخ في الوطن له مكانته.
لكن فوق كل الانتماءات ينبغي أن تبقى هناك قيمة لا غنى عنها:
العدل.
فالعدل هو المعيار الذي يمنع الدين من أن يتحول إلى تعصب، ويمنع الوطنية من أن تتحول إلى شوفينية، ويمنع الإنسانية من أن تبقى مجرد شعار.
وفي النهاية، قد يكون أعظم شكل من أشكال الأخوّة هو أن تستطيع أن تقول للآخر:
أنت مختلف عني، وربما لن أقتنع بما تؤمن به، لكن اختلافك لا يسلبك إنسانيتك، ولا يسلبني واجبي في معاملتك بالعدل والاحترام.
وهنا تبدأ الأخوّة الحقيقية؛ لا أخوّة الشعارات، وإنما أخوّة الإنسان للإنسان.

إرسال تعليق