لماذا يهرب المغاربة من وطنهم؟
لماذا يقرر شاب مغربي أن يترك أسرته وبلده ومدينته، ويغامر بحياته في البحر أو يبحث عن طريق إلى أوروبا، رغم معرفته بالمخاطر التي قد تنتظره هناك؟
هل الهجرة مجرد بحث عن حياة أفضل؟ أم أنها في جانب منها تعبير عن شعور متزايد لدى فئات من المغاربة بأن وطنهم لم يعد يوفر لهم الحد الأدنى من شروط العيش الكريم؟
الهجرة المغربية ليست ظاهرة جديدة، لكنها خلال السنوات الأخيرة أصبحت تحمل دلالات اجتماعية واقتصادية وسياسية تستحق التوقف عندها. فالمغربي الذي يهاجر لا يترك وطنه بالضرورة لأنه يكرهه، بل قد يتركه لأنه يشعر أنه عاجز عن بناء مستقبل داخله.
1. الهروب من البطالة... أو من العمل الذي لا يكفي للعيش
من أبرز أسباب الهجرة غياب فرص العمل، وخاصة أمام الشباب وحاملي الشهادات.
لكن المشكلة لا تتوقف عند البطالة؛ فحتى عندما يجد المواطن عملاً، قد يجد نفسه أمام أجرة لا تتناسب مع تكاليف الحياة.
السكن، والنقل، والغذاء، والتعليم، والعلاج، وفواتير الماء والكهرباء والاتصالات، كلها تحتاج إلى دخل منتظم. ومع ارتفاع الأسعار، يصبح الراتب المحدود عاجزاً عن تلبية الحاجات الأساسية.
وهنا يجد الشاب نفسه أمام معادلة قاسية:
إما البطالة، وإما العمل بأجر لا يوفر له حياة مستقرة.
وعندما يرى أن شخصاً يؤدي العمل نفسه أو أقل منه في بلد أوروبي ويحصل على دخل أعلى بكثير، يصبح سؤال الهجرة بالنسبة إليه أكثر إلحاحاً.
2. عندما يشعر المواطن أن الأولويات ليست أولوياته
لا يعترض المواطن بالضرورة على بناء المشاريع الكبرى أو تطوير البنية التحتية.
المشكلة تبدأ عندما يشعر أن هذه المشاريع لا تنعكس بصورة مباشرة على حياته اليومية.
خذ مثلاً مشاريع النقل السريع. فالقطار فائق السرعة يمثل إنجازاً تقنياً وبنية تحتية مهمة، لكنه يظل بالنسبة إلى كثير من المواطنين خدمة مرتفعة التكلفة مقارنة بدخلهم.
وهنا يطرح المواطن سؤالاً مشروعاً:
هل الأولوية دائماً للمشاريع الكبرى، أم ينبغي أن تكون الأولوية أيضاً لتحسين القدرة الشرائية والخدمات الأساسية وفرص العمل؟
المشكلة ليست في وجود مشروع متطور، وإنما في مدى استفادة المجتمع بأسره منه، وفي كيفية توزيع ثمار التنمية.
3. الملاعب وكأس العالم... ماذا سيستفيد المواطن؟
يستعد المغرب، إلى جانب إسبانيا والبرتغال، لاستضافة كأس العالم لكرة القدم 2030.
ولا شك أن تنظيم حدث عالمي بهذا الحجم يمكن أن يخلق فرصاً اقتصادية وسياحية واستثمارية مهمة.
لكن المواطن البسيط قد يتساءل:
ماذا سيبقى له بعد انتهاء البطولة؟
الملاعب والمنشآت الرياضية تحتاج إلى استثمارات ضخمة، ولذلك يجب أن تكون هناك رؤية واضحة لضمان استمرار الاستفادة منها بعد انتهاء كأس العالم، حتى لا تتحول إلى منشآت مكلفة قليلة الاستخدام.
فالمواطن الذي يعاني من البطالة وارتفاع الأسعار قد لا يفهم بسهولة لماذا تنفق الدولة مبالغ ضخمة على مشاريع رياضية، بينما لا يجد هو فرصة عمل مستقرة أو سكناً مناسباً أو دخلاً يكفيه.
إن التنمية الحقيقية ليست في عدد الملاعب فقط، وإنما في قدرة هذه المشاريع على خلق وظائف وتحسين الاقتصاد المحلي والاستفادة منها لعقود طويلة.
4. الثروات الطبيعية... لمن تعود؟
من أكثر الأسئلة حساسية في المغرب قضية الثروات الطبيعية.
المغرب بلد غني بالموارد الطبيعية والمعدنية، ويمتلك ثروة بحرية مهمة، إضافة إلى موارد مائية وأراضٍ فلاحية ومؤهلات سياحية كبيرة.
لكن المواطن قد يشعر أحياناً بأن هذه الثروات لا تنعكس بما يكفي على مستوى معيشته.
وهنا يجب طرح السؤال بشفافية:
كيف توزع عائدات الثروات الوطنية؟ ومن يستفيد منها؟ وما حجم ما يعود منها إلى الخزينة العامة والمجتمع؟
أما القول بأن "الأغنياء سيطروا على مناجم الذهب" أو "سيطروا على الثروة البحرية" أو "امتلكوا المياه"، فهو اتهام يحتاج في كل حالة إلى تحديد الشركات والصفقات والوقائع والأرقام حتى يتحول من خطاب احتجاجي إلى قضية صحفية موثقة.
لكن جوهر السؤال يبقى مشروعاً:
هل يحصل المغاربة على نصيب عادل من ثروات بلدهم؟
5. الثروة البحرية بين الإمكانات الهائلة وتوزيع العائدات
يمتلك المغرب واحداً من أهم السواحل في المنطقة، وتعد الثروة السمكية مورداً اقتصادياً مهماً.
ومع ذلك، فإن وجود الثروة لا يعني بالضرورة أن كل المواطنين يستفيدون منها بالتساوي.
الصياد الصغير، والعامل في الميناء، والمستهلك المغربي، والشركات الكبرى، والدولة؛ لكل واحد مصلحة مختلفة.
لذلك فإن العدالة في توزيع الثروة لا تعني منع الاستثمار، وإنما تعني ضمان أن تتحول الموارد الوطنية إلى فرص عمل ودخل وخدمات وتنمية يستفيد منها المجتمع.
6. الماء... ثروة وطنية أم سلعة؟
الماء ليس سلعة عادية.
إنه أساس الحياة.
وفي ظل فترات الجفاف والإجهاد المائي التي عرفها المغرب، أصبحت قضية الماء أكثر حساسية من أي وقت مضى.
وعندما يدفع المواطن فاتورة الماء، فمن الطبيعي أن يتساءل عن تكلفة إنتاجه وتوزيعه، وعن الشركات التي تدير هذه الخدمات، وعن كيفية تحديد الأسعار.
والسؤال هنا ليس رفض الاستثمار الخاص بالضرورة، وإنما:
كيف نضمن أن تظل المياه في خدمة المواطن، وأن تكون الأسعار عادلة، وأن تتم حماية الموارد المائية للأجيال القادمة؟
فالماء في النهاية ثروة وطنية، وإدارته ينبغي أن تخضع لأعلى درجات الشفافية والمراقبة والمصلحة العامة.
7. عندما يخاف الصحفي من قلمه
لا يمكن الحديث عن التنمية من دون الحديث عن حرية التعبير.
فالصحافة ليست ترفاً، وإنما إحدى آليات مراقبة السلطة وكشف الاختلالات والدفاع عن المواطن.
وعندما يتعرض الصحفي للملاحقة بسبب عمله الصحفي، أو يشعر الكاتب بأن بعض الموضوعات قد تجر عليه المتاعب، فإن الخاسر في النهاية ليس الصحفي وحده، وإنما المجتمع كله.
المواطن يحتاج إلى صحافة تسأل:
أين ذهبت الأموال؟
كيف أُبرمت الصفقات؟
من استفاد؟
لماذا تأخر المشروع؟
ولماذا ارتفعت التكلفة؟
ومن المسؤول؟
إن الدولة القوية ليست التي تخاف من الأسئلة، وإنما التي تستطيع الإجابة عنها.
8. خطبة الجمعة... عبادة أم منبر سياسي؟
ومن الملفات الحساسة كذلك علاقة الخطاب الديني بالمجال السياسي.
خطبة الجمعة يفترض أن تكون مساحة للتذكير بالقيم والأخلاق والعدل والتكافل ومشكلات المجتمع، وأن تتناول قضايا الإنسان وحياته اليومية بروح دينية وأخلاقية.
لكن عندما يشعر المواطن أن المنبر الديني يتحول إلى وسيلة لتوجيه المجتمع سياسياً أو تمرير خطاب رسمي، فإن الثقة في الخطاب الديني قد تتراجع.
الإمام ليس مجرد موظف يقرأ نصاً، وإنما هو شخصية لها تأثير كبير في المجتمع.
ومن هنا تأتي أهمية أن تكون الخطبة ذات مضمون حقيقي، وأن تتناول قضايا الناس: الفقر، والفساد، والرشوة، والظلم، والبطالة، والأسرة، والتربية، والأمانة، والمسؤولية، والعدالة الاجتماعية.
فالحديث عن الأخلاق لا ينبغي أن يكون بعيداً عن الواقع.
إذا تحدثنا عن الأمانة، فلنتحدث عن أمانة المسؤول والموظف والتاجر والمواطن.
وإذا تحدثنا عن العدل، فلنتحدث عن عدالة الفرص وتكافؤها.
وإذا تحدثنا عن محاربة الفساد، فلا ينبغي أن يكون الفساد مجرد مفهوم نظري.
9. لماذا يخاطر المغربي بحياته؟
عندما يجتمع الفقر والبطالة وارتفاع الأسعار والشعور بعدم تكافؤ الفرص، يبدأ المواطن في البحث عن مخرج.
وحين يرى عبر الهاتف أن شاباً مثله يعيش في أوروبا ويحصل على أجر أفضل، وأن الخدمات الاجتماعية أكثر انتظاماً، وأن فرص العمل متاحة في بعض القطاعات، فإن فكرة الهجرة تصبح أكثر جاذبية.
ثم تأتي لحظة خطيرة:
عندما يصبح الموت في البحر، في نظر بعض الشباب، أقل رعباً من المستقبل المجهول داخل الوطن.
وهذه ليست مشكلة مهاجر فقط.
إنها رسالة إلى المجتمع والدولة.
فالشاب الذي يخاطر بحياته لا يحمل معه حقيبة سفر فقط، بل يحمل معه سؤالاً:
لماذا لم أستطع أن أبني مستقبلي هنا؟
10. المغرب لا يحتاج إلى شباب يهربون منه
المغرب يمتلك إمكانات بشرية وطبيعية واقتصادية كبيرة.
ويملك موقعاً استراتيجياً، وطاقات شابة، وثروات بحرية ومعدنية، ومؤهلات سياحية وفلاحية، وبنية تحتية تطورت بشكل واضح خلال العقود الأخيرة.
لكن التنمية لا تقاس فقط بالطرق والمطارات والملاعب والقطارات.
التنمية الحقيقية هي أن يستطيع الشاب المغربي أن يجد عملاً محترماً، وأن يستطيع العامل أن يعيش بأجره، وأن يحصل المواطن على العلاج والتعليم الجيدين، وأن يشعر بأن القانون يحميه، وأن يعرف أين تذهب أموال الضرائب، وأن يرى أن ثروات وطنه تعود عليه وعلى أبنائه بالنفع.
الهجرة ليست خيانة للوطن
من الخطأ وصف كل مهاجر بأنه شخص لا يحب وطنه.
كثير من المهاجرين يحملون المغرب في قلوبهم، ويرسلون الأموال إلى أسرهم، ويساعدون أقاربهم، ويستثمرون في بلدهم، ويعودون إليه في العطل، ويحلمون في كثير من الأحيان بالاستقرار فيه يوماً ما.
المشكلة ليست في المواطن الذي يبحث عن فرصة.
المشكلة الحقيقية هي أن يصبح البحث عن الفرصة خارج الوطن أسهل من العثور عليها داخله.
الخلاصة
المغاربة لا يهربون جميعاً من المغرب للسبب نفسه.
هناك من يهاجر بحثاً عن العمل، وهناك من يبحث عن الدراسة، وهناك من يريد تحسين وضعه الاقتصادي، وهناك من يبحث عن الاستقرار، وهناك من يهاجر لأسباب عائلية أو شخصية.
لكن خلف جزء كبير من الهجرة توجد مشكلة أكبر:
أزمة ثقة في المستقبل.
وإذا أرادت الدولة أن تحد من الهجرة غير النظامية، فإن الحل لا يكمن فقط في تشديد الرقابة على الحدود.
الحل يبدأ من الداخل:
وظائف أكثر، أجور أفضل، تعليم جيد، صحة محترمة، عدالة اجتماعية، شفافية في تدبير المال العام، حماية للصحافة، مكافحة حقيقية للفساد، وعدالة في الاستفادة من الثروة الوطنية.
فالشاب الذي يجد في وطنه كرامته وفرصته ومستقبله، لن يحتاج إلى قارب مطاطي ليبحث عن حياة أفضل.
أما إذا ظل يشعر بأن مستقبله يوجد دائماً خلف البحر، فسيظل السؤال قائماً:
لماذا يهرب المغاربة من وطنهم؟
والجواب الحقيقي لا ينبغي أن يبحث عنه في المهاجر وحده، بل في الظروف التي جعلته يفكر في الهروب أصلاً.

إرسال تعليق