“الغباء الاصطناعي أيضًا”
لا يمكن إنكار أن مقال أحمد الريسوني يثير موضوعًا بالغ الأهمية: علاقة الإنسان بعقله، وحدود الذكاء، وخطورة الانحراف في التفكير. لكن المشكلة ليست في الموضوع، بل في الطريقة التي تم بها تناوله: طريقة تُحوِّل النقاش الفكري إلى محكمة أخلاقية، وتُصدر أحكامًا جاهزة بدل أن تطرح أسئلة عميقة.
وسأحاول هنا أن أردّ ردًا عقلانيًا، لكن دون مجاملة، لأن الفكر لا يتقدم بالمجاملات، بل بالجرأة.
أولًا: حين يتحول “العقل” إلى أداة إقصاء
المقال ينطلق من فكرة صحيحة: أن الذكاء الاصطناعي نتاج العقل البشري.
لكنّه يقفز قفزة خطيرة: تقسيم البشر إلى فئتين:
أصحاب “ذكاء طبيعي”
وأصحاب “غباء اصطناعي”
وهنا يبدأ الانزلاق.
لأن هذا التقسيم:
ليس علميًا
وليس فلسفيًا
بل هو تصنيف أخلاقي مُسبق
بمعنى آخر:
أنت لا تناقش خصمك… بل تحكم عليه قبل أن تسمعه.
وهذا أخطر أنواع “تعطيل العقل”؛ لأن العقل الحقيقي لا يبدأ بالإدانة، بل بالفهم.
ثانيًا: الإلحاد ليس مرضًا عقليًا… بل موقف فكري
وصف الملحدين بأنهم يعطّلون عقولهم هو طرح لا يصمد أمام الواقع.
دعنا نكون واضحين:
الإلحاد ليس ظاهرة هامشية، بل موقف تبناه عبر التاريخ:
علماء كبار في الفيزياء والرياضيات
فلاسفة عميقون
ومفكرون مارسوا أعلى درجات التحليل العقلي
فهل كل هؤلاء “يشتغلون بالغباء الاصطناعي”؟
هذا الطرح لا يقنع، بل يكشف أزمة في فهم الاختلاف.
الحقيقة أن:
الإيمان تفسير للوجود
والإلحاد أيضًا تفسير للوجود
والسؤال ليس: من الأذكى؟
بل: أي تفسير أكثر إقناعًا؟ ولماذا؟
أما تحويل النقاش إلى “ذكاء vs غباء”، فهو هروب من النقاش الحقيقي.
ثالثًا: “في كل شيء آية” — نعم… ولكن لمن؟
الاستدلال بأن الكون دليل على الخالق هو طرح قديم ومحترم،
لكن المشكلة ليست فيه، بل في تقديمه كحقيقة بديهية لا تقبل النقاش.
لنكن صادقين:
نفس الكون الذي يراه المؤمن دليلاً على الله،
يراه غير المؤمن نتيجة:
قوانين طبيعية
تطور كوني طويل
تفاعلات فيزيائية معقدة
إذن الخلاف ليس في “الكون”،
بل في تأويل الكون.
وهذا يعني أن:
> الاستدلال ليس إلزاميًا، بل احتمالي
ومن هنا، لا يمكن وصف المخالف بأنه “معطّل للعقل”،
بل هو مستخدم للعقل بطريقة مختلفة.
رابعًا: التعميم… حين يصبح الفكر كسولًا
المقال يجمع تحت عنوان “الغباء الاصطناعي” فئات ضخمة:
الملحدون
اللاأدريون
السوفسطائيون
العبثيون
وحتى بعض السياسيين
وهذا التعميم يكشف مشكلة منهجية:
> اختزال الإنسان المعقد في صورة واحدة مبسطة
الواقع أكثر تعقيدًا بكثير:
في المتدينين من يُفكر بعمق
وفيهم أيضًا من يُقلد بلا وعي
في الملحدين من يبحث بصدق
وفيهم من يتبنى مواقف سطحية
الذكاء ليس حكرًا على فئة،
ولا الغباء حكرًا على أخرى.
خامسًا: السوفسطائية واللاأدرية… قراءة غير دقيقة
المقال يهاجم اللاأدريين باعتبارهم منكرين لكل الحقائق.
لكن هذا تبسيط مخلّ.
اللاأدرية في جوهرها تقول:
> “لا نملك معرفة كافية للحسم”
وهذا موقف:
متحفظ
حذر
وأحيانًا أكثر عقلانية من الجزم غير المبرر
فالشك ليس دائمًا ضعفًا،
بل قد يكون مرحلة ضرورية في بناء المعرفة.
سادسًا: الفلسفة العبثية… ليست كما صُوِّرت
تم تصوير الفلسفة العبثية كدعوة للانتحار واليأس.
لكن هذا اختزال شديد.
الفلسفة العبثية — في أحد أهم أبعادها — تقول:
العالم قد لا يكون له معنى جاهز
لكن الإنسان قادر على خلق معنى بنفسه
وهذا ليس انهزامًا،
بل نوع من التمرد الفكري.
بل إن بعض العبثيين رأوا أن:
> مواجهة عبث العالم بشجاعة… أسمى من الهروب إلى إجابات جاهزة
سابعًا: المفارقة الكبرى — من يمارس “الغباء الاصطناعي” فعلًا؟
المقال يحذر من استخدام العقل لتبرير الهوى.
وهذا صحيح.
لكن السؤال الجريء هو:
أليس اختزال المخالف في “غبي” نوعًا من هذا التبرير؟
حين:
نرفض فهم الآخر
ونكتفي بتشويهه
ونُغلق باب النقاش
فنحن لا نمارس “ذكاء طبيعي”،
بل نمارس شكلًا آخر من “الغباء”… لكنه مغطى بلغة دينية.
ثامنًا: نقطة مضيئة… لكنها غير مكتملة
ينتقد المقال “عبادة الحكام”،
وهذا نقد مهم وشجاع.
لكن الحقيقة:
هذا السلوك لا يقتصر على فئة معينة،
بل يظهر في كل المجتمعات:
الدينية
والعلمانية
والشرقية
والغربية
فالمشكلة ليست في العقيدة،
بل في غياب التفكير النقدي.
تاسعًا: العقل ليس ملكًا لأحد
أخطر ما في المقال ليس ما قاله،
بل ما يوحي به:
> أن العقل في صف واحد فقط
وهذا ادعاء غير صحيح.
العقل:
لا يحمل بطاقة دينية
ولا ينتمي لمعسكر
ولا يحتكر الحقيقة
بل هو أداة مفتوحة،
يمكن أن تقود إلى الإيمان… أو إلى غيره.
عاشرًا: نحو نقاش أكثر صدقًا
إذا أردنا فعلاً الدفاع عن “العقل”،
فعلينا أن نتحلى بما يلي:
قبول الاختلاف دون تخوين
التفريق بين الفكرة وصاحبها
الاعتراف بأن الحقيقة أعقد من تصنيف ثنائي
أما الاستمرار في خطاب:
> “نحن أذكياء… وهم أغبياء”
فلن ينتج معرفة،
بل سيزيد الانقسام.
الخلاصة: بين الجرأة والإنصاف
الجرأة الحقيقية ليست في مهاجمة المخالف،
بل في فهمه ثم نقده بإنصاف.
وإذا كان “الغباء الاصطناعي” هو:
> استعمال العقل لتبرير الأهواء
فهذا داء إنساني عام،
لا دين له ولا إلحاد.
والعلاج ليس في الإقصاء،
بل في فتح نقاش حقيقي،
حيث يُحترم العقل… حتى حين يختلف.
بقلم .البقالي عبد الهادي.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق