أعلان الهيدر

المشاركات الشائعة

الأحد، 31 مايو 2026

الرئيسية المهدوية بين الإيمان والخرافة السياسية.. قراءة نقدية فلسفية في مشروع عبد السلام ياسين

المهدوية بين الإيمان والخرافة السياسية.. قراءة نقدية فلسفية في مشروع عبد السلام ياسين

 المهدوية بين الإيمان والخرافة السياسية.. قراءة نقدية فلسفية في مشروع عبد السلام ياسين



-----------------------------------------

يُعتبر الشيخ عبد السلام ياسين من أبرز الشخصيات الإسلامية التي سعت إلى بناء مشروع فكري شامل يجمع بين التربية الروحية والتغيير السياسي. وقد تميز مشروعه بما سماه «المنهاج النبوي» الذي حاول من خلاله تقديم تصور متكامل لإعادة بناء الأمة الإسلامية واستئناف الخلافة. غير أن المتأمل في كتاباته يلاحظ حضوراً قوياً للفكر المهدوي والرؤية الغيبية للتاريخ، وهي عناصر تستدعي قراءة فلسفية نقدية تتجاوز التقديس الحزبي والانبهار العاطفي، وتنطلق من أسئلة العقل والمعرفة والتاريخ.

إن الإشكال الأساسي لا يكمن في الإيمان الديني بالمهدي باعتباره جزءاً من التراث العقدي لدى فئات واسعة من المسلمين، وإنما في تحويل المهدوية إلى إطار تفسيري للتاريخ والسياسة، وإلى أداة لبناء الوعي الجماعي وتوجيه الفعل الاجتماعي. فعندما تصبح النبوءة بديلاً عن التحليل التاريخي، والرؤيا بديلاً عن البرهان العقلي، نكون أمام انتقال من مجال الفكر إلى مجال المخيال الخرافي .

في كتابه المنهاج النبوي: تربية وتنظيماً وزحفاً يجعل عبد السلام ياسين من فكرة «الخلافة الثانية على منهاج النبوة» محوراً مركزياً في فهم المستقبل الإسلامي. فهو لا يتعامل مع التاريخ باعتباره نتاجاً لتفاعلات بشرية معقدة، بل باعتباره مساراً يتجه نحو تحقق وعد غيبي محتوم. وهذا التصور يقترب مما انتقده الفيلسوف النمساوي "كارل بوبر" (1902–1994) حين هاجم النزعة التاريخانية التي تدّعي معرفة قوانين حتمية لمسار التاريخ. فالتاريخ عند بوبر ليس كتاباً مغلقاً يمكن التنبؤ بفصوله مسبقاً، بل هو فضاء مفتوح تصنعه اختيارات البشر وإراداتهم.

ويظهر البعد المهدوي بصورة أوضح في كتاب الإحسان حيث يمنح المؤلف مكانة واسعة للرؤى والمنامات والإشارات الروحية باعتبارها وسائل لفهم الواقع واستشراف المستقبل. بل إن عدداً من أتباع الجماعة تداولوا عبر عقود روايات ومنامات مرتبطة بمستقبل الدعوة أو بقرب التحولات الكبرى التي بشّر بها المشروع الياسيني.

ومن الأمثلة التطبيقية الدالة على النزعة المهدوية داخل الجماعة تداول بعض الأعضاء في الجماعة لفكرة «القومة» باعتبارها لحظة تاريخية فاصلة ستنقل الأمة من واقع الاستضعاف إلى واقع التمكين. وقد تجلت هذه النزعة بصورة أكثر وضوحاً فيما عُرف داخل أوساط الجماعة بـ«قومة 2006»، حيث ساد بين عدد من أعضائها ومتعاطفيها اعتقاد بأن سنة 2006 ستكون سنة التمكين السياسي وبداية تحقق مشروع الخلافة الإسلامية في المغرب، وهو اعتقاد استند في جزء منه إلى تأويلات غيبية وبشارات متداولة داخل الأوساط التنظيمية. والطامة الكبرى أن بعض هذه التوقعات لم يكن مبنياً على تحليل سياسي أو اجتماعي للواقع، وإنما على رؤى ومنامات وأحلام ليلية جرى التعامل معها بوصفها مؤشرات على قرب وقوع التحول التاريخي المنشود. وهنا تتجلى إحدى الإشكالات المعرفية الأساسية للفكر المهدوي؛ إذ تتحول التجربة الذاتية الخاصة إلى مصدر للمعرفة الجماعية والتوقع السياسي. غير أن سنة 2006 مرت دون أن يتحقق شيء من تلك الوعود أو البشارات، ودون أن تقع التحولات الكبرى التي انتظرها بعض الأتباع، الأمر الذي كشف حدود الرهان على المنامات في فهم الواقع واستشراف المستقبل. ومن منظور فلسفة المعرفة، تمثل هذه الواقعة مثالاً واضحاً على الانتقال من التحليل العقلاني للوقائع إلى الاعتماد على المخيال الغيبي في تفسير التاريخ. ولذلك ظل مفهوم «القومة» محاطاً بغموض رمزي وروحي أكثر من ارتباطه ببرنامج سياسي واقعي قابل للقياس والتنفيذ، وبقي أقرب إلى الوعد التعبوي منه إلى المشروع التاريخي الملموس.

 ومن منظور إبستمولوجي صارم، تطرح هذه المسألة إشكالاً جوهرياً: كيف يمكن اعتماد تجربة ذاتية غير قابلة للتحقق كمصدر للمعرفة العامة؟

إن المعرفة العلمية تقوم على القابلية للاختبار والتكرار والنقد. أما الرؤيا فهي تجربة شخصية لا يمكن إثباتها أو نفيها. وإذا أصبح الحلم مصدراً للحقيقة السياسية، فإن كل جماعة ستستطيع إنتاج أحلام تؤكد صحة مشروعها. وبهذا ينتقل الفكر من دائرة العقل العمومي إلى دائرة التجربة الذاتية المغلقة.

لقد كان عبد السلام ياسين كثير الحديث عن «الصحبة» و«الولاية» و«التربية الإحسانية»، وهي مفاهيم ذات بعد روحي مشروع في أصلها الصوفي، غير أنها تتحول إلى إشكال فلسفي حين تُربط بالقيادة التاريخية وبالشرعية الفكرية. ففي عدد من نصوصه يظهر المرشد بوصفه صاحب رؤية خاصة للمستقبل، وصاحب قدرة على قراءة الأحداث من منظور يتجاوز التحليل السياسي التقليدي. وهنا تبرز إحدى السمات الكلاسيكية للفكر المهدوي: تضخم دور الشخصية الملهمة مقابل تراجع دور العقل الجماعي والمؤسسات.

وقد أشار عبد السلام ياسين في أكثر من موضع إلى بشارات تاريخية تتعلق بعودة الخلافة وقرب التحول الحضاري الإسلامي. لكن الواقع أثبت أن التاريخ لا يخضع لهذه التوقعات. فبعد عقود من الانتظار لم يتحقق شيء من السيناريوهات الكبرى التي رُسمت، بل شهد العالم الإسلامي مزيداً من الانقسامات والحروب والأزمات. وهذا ما يكشف هشاشة الرهان على النبوءة السياسية. 

 وعند قراءة التجربة الياسينية نجد أن البعد الكاريزمي يحتل موقعاً مهماً في بنية الجماعة، حيث تتداخل التربية الروحية مع الولاء التنظيمي، ويتحول المرشد إلى مرجعية تتجاوز حدود القيادة السياسية العادية.

ومن الناحية النفسية، يمنح الفكر المهدوي لأتباعه شعوراً قوياً باليقين؛ إذ يفسر لهم الواقع ضمن سردية شاملة تبدأ بالأزمة وتنتهي بالخلاص. لكن هذا اليقين نفسه قد يتحول إلى عائق أمام النقد الذاتي. فحين يعتقد الفرد أن جماعته جزء من مشروع إلهي مرسوم سلفاً، يصبح من الصعب عليه مراجعة الفرضيات الأساسية لذلك المشروع.

وفي كتاب حوار مع الفضلاء الديمقراطيين يحاول عبد السلام ياسين الجمع بين المرجعية الإسلامية وبعض مفاهيم العمل السياسي الحديث، غير أن البنية العميقة للمشروع تظل مرتبطة بفكرة الخلافة الموعودة أكثر من ارتباطها بفكرة الدولة المدنية الحديثة. وهنا يظهر التوتر بين منطق التاريخ ومنطق النبوءة. فالدولة الحديثة تقوم على التعاقد والمؤسسات والتداول السلمي للسلطة، بينما تقوم الرؤية المهدوية على انتظار تحول استثنائي يعيد تشكيل الواقع من جذوره.

لقد عرف التاريخ الإسلامي عشرات الحركات المهدوية؛ من حركة محمد أحمد المهدي في السودان إلى حركات أخرى ظهرت في المشرق والمغرب. وكانت جميعها تقريباً تنطلق من قناعة بأنها تعيش اللحظة الحاسمة في تاريخ الأمة. لكن أغلب هذه التجارب انتهى إلى الفشل أو التراجع لأن الواقع أكثر تعقيداً من التصورات الغيبية. وهذا ما يجعل الفيلسوف الفرنسي "بول ريكور" 

(1913–2005 ) يحذر من تحويل الرموز الدينية إلى مشاريع سياسية مغلقة تدّعي امتلاك المعنى النهائي للتاريخ. إن أخطر ما في الفكر المهدوي ليس إيمانه بالغيب، بل تحوله إلى عقلية انتظار. فبدلاً من التركيز على بناء التعليم والبحث العلمي والمؤسسات الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، يتم تعليق الأمل على حدث استثنائي قادم. وهكذا يتحول الإنسان من فاعل في التاريخ إلى منتظر للخلاص. ولعل المفارقة الكبرى أن القرآن الكريم نفسه يربط التغيير بالفعل البشري: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾. فالآية تؤسس لمنطق المسؤولية والعمل، لا لمنطق الانتظار والترقب. كما أن التجارب الحضارية الكبرى لم تبنها النبوءات، وإنما بنتها العقول والمؤسسات والعلوم.

إن النقد الفلسفي لمشروع عبد السلام ياسين هو واجب فكري وشرعي ووطني لما قد يشكل خطرا على المغرب وعلى شبابه خصوصا! لهذا ينبغي مساءلة الأسس المعرفية التي قام عليها مشروعه. فحين تتحول الرؤى إلى أدوات للمعرفة، ويتحول المستقبل إلى وعد غيبي جاهز، ويتحول التاريخ إلى مسار محتوم، فإننا نغادر مجال العقل النقدي إلى مجال المخيال الميتافيزيقي.

ومن هنا تبدو الحاجة ملحة إلى الانتقال من ثقافة المهدوية إلى ثقافة المسؤولية، ومن عقلية الانتظار إلى عقلية الإنجاز، ومن البحث عن المخلّص إلى بناء الإنسان الحر القادر على صناعة مستقبله بنفسه. فالأمم لا تنهض بالأحلام مهما كانت جميلة، بل تنهض بالعلم والعمل والنقد والعقلانية. وكل مشروع يربط مصير المجتمع بوعود غيبية أكثر من ربطه بجهد الإنسان سيظل أسير دائرة الأمل المؤجل، مهما امتلك من قوة خطابية أو جاذبية روحية.


الشيخ الصادق العثماني 

 أمين عام رابطة علماء المسلمين بأمريكا اللاتينية

يتم التشغيل بواسطة Blogger.