عندما يتحول «النقد العلمي» إلى وصاية مذهبية على المغرب
قراءة نقدية في قراءة نقدية لخطبة «تسديد التبليغ»
من حق كل إنسان أن ينتقد خطبة الجمعة، وأن يناقش مضامينها، وأن يختلف مع واضعيها، وأن يقترح تحسينات عليها. فالنقد العلمي لا يخيف أحدا، والعلم لا ينمو إلا بالحوار والنقاش وتعدد وجهات النظر.
لكن المشكلة ليست في أن ينتقد شخص خطبة «تسديد التبليغ»، وإنما في الطريقة التي يُمارس بها هذا النقد، وفي الخلفية الفكرية التي تحركه، وفي تلك الثقة المفرطة التي تجعل صاحبها يتعامل مع تاريخ المغرب الديني، وعقيدته، وتصوفه، ونظامه السياسي، وكأنه أمام «مشروع تصحيح» يحتاج إلى تدخل فردي عاجل.
فصاحب المنشور يقدم كلامه باعتباره «قراءة نقدية صادقة هادفة»، ويستأذن العلماء الفضلاء، ويعلن حرصه على «تجويد» الخطبة.
لكن القارئ المتأمل لا يحتاج إلى كثير من العناء ليكتشف أن الأمر يتجاوز نقد بعض العبارات. نحن أمام محاولة واضحة لإعادة تعريف الثوابت المغربية وفق رؤية مذهبية محددة، ثم تقديم هذه الرؤية باعتبارها الإسلام الخالص الذي ينبغي أن يخضع له الجميع.
وهنا تبدأ المشكلة.
فالنقد شيء، والوصاية شيء آخر.
والاجتهاد شيء، واحتكار الحقيقة شيء آخر.
والدفاع عن الكتاب والسنة شيء، وتحويل فهم جماعة معينة للكتاب والسنة إلى معيار لإدانة ملايين المسلمين شيء آخر تماما.
أولا: مشكلة «الإمامة العظمى»... حين يتحول الخلاف الاصطلاحي إلى معركة سياسية
يعترض صاحب المنشور على استعمال عبارة «الإمامة العظمى» في الخطبة، ويقول إن الإمامة العظمى تعني الإمام الذي يحكم جميع بلاد المسلمين، وأن استعمالها في حق ملك المغرب خطأ وتجاوز.
وهنا نسأل ببساطة:
هل نحن أمام نص قرآني قطعي لا يحتمل اختلافا في المصطلح؟ أم أمام تعبير فقهي وتاريخي وسياسي قابل للاختلاف في دلالاته واستعمالاته؟
المشكلة أن بعض الخطابات المعاصرة تتعامل مع المصطلحات التاريخية وكأنها نزلت من السماء بتعريف قاموسي واحد لا يجوز تجاوزه.
والحال أن التاريخ الإسلامي نفسه عرف تنوعا كبيرا في استعمال مصطلحات مثل:
- الخليفة.
- الإمام.
- أمير المؤمنين.
- السلطان.
- ولي الأمر.
- الإمام الأعظم.
- الإمام الأكبر.
فالمصطلحات السياسية والدينية لم تكن دائما جامدة، بل كانت تتأثر بالسياق التاريخي والجغرافي والسياسي.
ثم إن المغرب ليس دولة بلا تاريخ، ولا كيانا سياسيا حديثا ظهر بالأمس. للمغرب نظام سياسي وديني خاص، وله تاريخ طويل في استعمال مفهوم إمارة المؤمنين، وله تقليد علمائي ومؤسساتي متراكم.
أما أن يأتي شخص ليقول إن عبارة معينة «لا يجوز» استعمالها لأن تعريفه الخاص للمصطلح لا يطابقها، فهذا ليس تحقيقا علميا بالضرورة، بل قد يكون مجرد اختلاف في الاصطلاح.
والأغرب من ذلك كله أن صاحب المنشور يحذر من «إقحام الملكية في مثل هذه الأمور».
لكن أين وجدنا الملكية في هذا المنشور؟
في كل فقرة تقريبا!
يتحدث عن الملك، وعن البيعة، وعن الخلافة، وعن الدستور، وعن اختيار الملك، وعن صلاحياته، وعن إمارة المؤمنين.
فإذا كان إدخال الملكية في الخطبة خطأ، فلماذا لم يتوقف هو عن إدخالها في نقده؟
أم أن المشكلة ليست في إدخال الملكية، وإنما في أن يتم الحديث عنها بطريقة لا تنسجم مع القراءة الخاصة لصاحب المنشور؟
هنا ينبغي أن يكون النقاش صريحا.
ثانيا: «اختار الله»... هل أصبح كل تعبير بلاغي ادعاءً للوحي؟
ينتقل صاحب المنشور إلى عبارة «اختارها الله تعالى لنا»، فيرى أن هذا التعبير يتضمن جرأة على الله، لأن أحدا لا يستطيع أن يعلم أن الله أحب أن يكون فلان ملكا للبلاد.
هذا النوع من القراءة لا يناقش المعنى في سياقه، بل ينتزع عبارة من خطاب بلاغي ويضعها تحت المجهر العقدي وكأن الخطيب أعلن أنه تلقى وحيا خاصا يحدد فيه اسم الحاكم.
وهذا تعسف في التأويل.
فاللغة العربية مليئة بالتعبيرات التي لا تُحمل دائما على المعنى الفلسفي أو العقدي الحرفي الضيق.
حين نقول إن الله «اختار» قوما أو بلدا أو زمنا أو مكانا، فإننا نحتاج إلى فهم السياق الذي وردت فيه العبارة، لا إلى إطلاق حكم بالجرأة على الله بمجرد وجود لفظ يحتمل أكثر من دلالة.
وحتى من الناحية العقدية، فإن كل ما يقع في الكون لا يخرج عن علم الله وقدره ومشيئته.
فهل يريد صاحب المنشور أن يحاكم كل تعبير لغوي على أساس أنه ادعاء لمعرفة الإرادة الإلهية التفصيلية؟
إذا كان الأمر كذلك، فإن كثيرا من الخطابات الدينية والسياسية والتاريخية ستصبح موضع اتهام.
أما أن يقال إن العبارة تحتاج إلى تحسين أو ضبط، فهذا أمر يمكن مناقشته.
لكن تحويلها مباشرة إلى «جرأة على الله» يكشف عن رغبة في تضخيم الخلاف، لا في تجويد النص.
ثالثا: البيعة ليست عقدا تجاريا بين ملك و«مواطنين»
يتحدث صاحب المنشور عن البيعة، ويصفها بأنها تعاقد بين الملك والشعب، وأن الملك «وكيل مصالحهم».
ولا شك أن البيعة في التراث الإسلامي مفهوم مهم، وأنها ترتبط بالطاعة والمسؤولية والالتزام، وأن الحاكم ليس معصوما ولا فوق النقد.
لكن اختزال البيعة في لغة «التعاقد الإداري» الحديثة، ثم اختزال الملك في وظيفة «وكيل مصالح»، ليس هو أيضا قراءة تاريخية كاملة.
البيعة مفهوم مركب، له أبعاد دينية وسياسية وتاريخية واجتماعية، وتطور عبر العصور.
ولا يجوز أن نأخذ من التراث ما يوافق تصورنا الحديث، ثم نقدم هذا الجزء على أنه التعريف الوحيد للبيعة.
فالمشكلة هنا أن صاحب المنشور ينتقد الآخرين بدعوى عدم الدقة الاصطلاحية، ثم يمارس هو نفسه إعادة صياغة المفاهيم التاريخية وفق قوالب معاصرة.
فإذا كان المطلوب هو الدقة، فلتكن الدقة على الجميع.
رابعا: «العقيدة الأشعرية ليست من ثوابت المغرب»... هنا تظهر الحقيقة الحقيقية وراء المنشور
ربما يكون هذا هو الجزء الأهم في النص كله.
فبعد الحديث عن المصطلحات السياسية، ينتقل صاحب المنشور إلى مهاجمة واحدة من أبرز مكونات التراث الديني المغربي: العقيدة الأشعرية.
يقول إن الأشعرية ليست من الثوابت، وإن العقيدة قبل الإمام الأشعري كانت «سلفية»، وإن عقيدة الإمام مالك كانت سلفية لا أشعرية.
وهنا لا بد من التوقف طويلا.
لأن هذا الكلام يعيد إنتاج واحدة من أكثر الروايات اختزالا للتاريخ الإسلامي:
كان هناك «سلف» نقيون، ثم جاء الأشاعرة بعد ذلك فغيّروا العقيدة.
وهذه الرواية تبدو سهلة ومريحة، لكنها ليست تاريخا علميا.
فالمذهب الأشعري لم يكن مجرد تيار هامشي ظهر ثم تسلل إلى الأمة.
بل أصبح عبر قرون طويلة أحد أعمدة الفكر السني، واعتنقه علماء كبار في الحديث والفقه والتفسير والأصول، واحتضنته مؤسسات علمية كبرى في العالم الإسلامي.
أما محاولة وضع الإمام مالك في مواجهة الإمام الأشعري، وكأننا أمام معسكرين متصارعين، فهي أيضا قراءة متأخرة للتاريخ.
فالإمام مالك عاش في القرن الثاني الهجري، والإمام الأشعري في القرن الثالث والرابع، ولا يمكن أن نضع الرجلين في مواجهة مذهبية بالطريقة التي يفعلها الخطاب السلفي المعاصر.
الإمام مالك لم يكن عضوا في حزب اسمه «السلفية» بالمعنى المعاصر، كما أن لفظ «السلفية» اليوم يحمل معاني ومواقف ومدارس وتيارات لم تكن موجودة في عصره.
ومن أكبر الأخطاء المنهجية أن نأخذ لفظا عاما مثل «السلف»، ثم نضع عليه كل التصورات التي ظهرت بعد قرون، ثم نعود إلى القرون الأولى لنقول:
«هؤلاء كانوا على مذهبنا المعاصر».
هذا ليس تاريخا.
هذا إسقاط للماضي على الحاضر.
خامسا: هل الأشاعرة خارج أهل السنة لأنهم لم يطابقوا نسخة معينة؟
يحاول صاحب المنشور أن يميز بين أبي الحسن الأشعري وبين العلماء الذين جاءوا بعده، فيقبل بعض كتبه، ويرفض ما كتبه الباقلاني والجويني والغزالي والرازي والسنوسي.
وهنا يظهر سؤال مهم:
من أعطى صاحب المنشور حق إصدار شهادة «الأشعرية الصحيحة»؟
ومن قرر أن أبا الحسن الأشعري لا يُقبل إلا في كتاب معين، وأن علماء الأشاعرة بعده لا يمثلون المذهب؟
إن هذه الطريقة في التعامل مع التراث تجعل كل مدرسة دينية أسيرة لقراءة فردية.
فإذا كان كل عالم يخالفك في مسألة أصبح «ليس من المذهب الحقيقي»، وإذا كان كل كتاب لا يوافقك أصبح «تحريفا»، فما الذي بقي من المذهب سوى نسخة شخصية أنت من يحددها؟
وهنا تتحول القضية من بحث علمي إلى محكمة مذهبية.
المشكلة ليست أن يختلف الناس مع الأشاعرة.
فمن حق أي شخص أن يناقشهم وينقدهم.
لكن المشكلة أن يُقدم هذا النقد وكأن ملايين العلماء الذين انتسبوا إلى المدرسة الأشعرية كانوا جميعا خارج دائرة السنة، وأن تاريخا علميا كاملا يمكن شطبه بمنشور طويل على مواقع التواصل الاجتماعي.
سادسا: عبارة «الكتاب والسنة» ليست بطاقة حصرية
من أكثر العبارات التي يكثر استخدامها في السجالات المذهبية:
نحن مع الكتاب والسنة.
ولا أحد يختلف مع هذا الشعار من حيث المبدأ.
لكن السؤال الحقيقي هو:
من الذي يملك تفسير الكتاب والسنة؟
ومن الذي يحدد أن فهمه هو وحده فهم الكتاب والسنة؟
فالأشعري يقول: أنا مع الكتاب والسنة.
والمالكي يقول: أنا مع الكتاب والسنة.
والشافعي يقول: أنا مع الكتاب والسنة.
والصوفي السني يقول: أنا مع الكتاب والسنة.
بل حتى الفرق والتيارات المختلفة كلها ترفع شعار الكتاب والسنة.
إذن لا يكفي أن تقول «أنا مع الكتاب والسنة».
بل ينبغي أن تناقش:
- كيف فهمت النص؟
- ما منهجك في الجمع بين الأدلة؟
- كيف تعاملت مع اللغة؟
- كيف فهمت المتشابه؟
- كيف تعاملت مع اختلاف العلماء؟
- ما موقع الإجماع؟
- ما مكانة التراث العلمي؟
- هل أنت مستعد للاعتراف بأن فهمك ليس هو الفهم الوحيد الممكن؟
أما رفع شعار «الكتاب والسنة» لإسكات الآخرين، فليس علما.
سابعا: الجنيد ليس حصان طروادة لمهاجمة التصوف المغربي
أما الحديث عن الإمام الجنيد، فهو في أصله صحيح من حيث التأكيد على ضرورة انضباط السلوك الديني بالكتاب والسنة.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الإمام الجنيد إلى أداة لتصفية الحساب مع التصوف كله.
فالقول:
«التصوف ينبغي أن يكون منضبطا بالكتاب والسنة»
قول لا يختلف معه عاقل.
لكن أن نقفز من هذه العبارة إلى القول إن معظم التصوف الموجود اليوم مخالف للجنيد، وإن الطرق الصوفية كلها متورطة في التصوف الفلسفي، وإنها تناقض العقيدة الأشعرية، فهذه تعميمات ضخمة تحتاج إلى أدلة، لا إلى أحكام مرسلة.
فهل كل الزوايا المغربية نسخة واحدة؟
هل كل الطرق الصوفية مذهب واحد؟
هل كل أتباعها يعتقدون شيئا واحدا؟
هل كل منشد أو شاعر أو مريد يمثل بالضرورة عقيدة مدرسة فلسفية معينة؟
هذه طريقة لا تصلح للبحث العلمي.
إنها طريقة «التعميم بالمثال».
تأخذ شخصا، أو نصا، أو بيت شعر، أو موقفا، ثم تجعل منه دليلا على ملايين الناس.
وبهذه الطريقة يمكن لأي شخص أن يدين أي تيار في العالم.
ثامنا: ابن عربي والحلاج وابن الفارض... قائمة الاتهام الجاهزة
من المثير أن الخطاب السلفي المعاصر كثيرا ما يلجأ إلى قائمة الأسماء نفسها:
ابن عربي.
الحلاج.
ابن الفارض.
ابن سبعين.
ثم تُوضع هذه الأسماء كلها في سلة واحدة، ويُطلب من القارئ أن يصدق أن كل التصوف الإسلامي ليس إلا امتدادا لها.
وهذا اختزال مخل للتاريخ.
فالفكر الإسلامي ليس كتلة واحدة.
والتصوف ليس مذهبا واحدا.
والعلماء اختلفوا في تقييم هؤلاء الأعلام، كما اختلفوا في فهم نصوصهم، وفي الحكم على عباراتهم، وفي تفسير سياقاتهم.
أما تحويل التاريخ الفكري كله إلى «قائمة سوداء»، فليس بحثا.
إنه خطاب تعبوي.
والمشكلة أن بعض من يعيبون على الآخرين «التقليد» يمارسون تقليدا شديدا لقائمة جاهزة من الخصوم التاريخيين.
تاسعا: التناقض الأكبر: رفض الثوابت ثم اقتراح ثوابت بديلة
صاحب المنشور يعترض على «الثوابت الدينية المغربية».
لكن ماذا يفعل عمليا؟
يقدم ثوابت بديلة:
- العقيدة السلفية كما يفهمها هو.
- قراءة معينة لأبي الحسن الأشعري.
- رفض أو تشكيك في المدارس الأشعرية اللاحقة.
- تصور خاص للتصوف.
- قراءة خاصة للبيعة.
- تعريف خاص للإمامة.
- موقف خاص من التراث المغربي.
فإذا كانت هذه الأمور كلها مقترحة من عنده، فلماذا لا يسميها أيضا «ثوابت»؟
وهنا نصل إلى جوهر المسألة:
البعض لا يعترض على وجود الثوابت.
بل يعترض فقط على أن تكون الثوابت مخالفة لتصوراته.
فإذا كانت الثوابت أشعرية مالكية صوفية مغربية، فهي عنده مشكلة.
أما إذا أصبحت سلفية وفق فهمه الخاص، فحينها تصبح «عودة إلى الكتاب والسنة».
وهذا ليس نقدا للثوابت.
هذا صراع على من يملك تعريف الثوابت.
عاشرا: المغرب ليس أرضا بلا ذاكرة
ينبغي أن يقال بوضوح:
المغرب ليس صفحة بيضاء.
ليس بلدا ينتظر من كل وافد فكري أن يعيد تعريف دينه.
المغرب له تاريخ علمي عريق.
وله علماء كبار.
وله مدارس فقهية وعقدية وروحية تشكلت عبر قرون.
وله مذهب مالكي.
وله عقيدة أشعرية.
وله تراث صوفي سني.
وله نظام ديني ومؤسسات علمية.
وقد عاش المغاربة قرونا طويلة في ظل هذه المنظومة.
ومن حق أي شخص أن يناقشها.
لكن ليس من حقه أن يتعامل معها كأنها انحراف جماعي يحتاج إلى «تصحيح» على يد تيار معاصر.
والأخطر من ذلك أن بعض الخطابات التي ترفع شعار «العودة إلى السلف» لا تعود في الحقيقة إلى السلف، بل تعود إلى قراءات حديثة للسلف، صيغت في سياقات تاريخية ومذهبية مختلفة، ثم جرى تصديرها إلى بلدان لها تاريخها وتراثها ومؤسساتها.
وهنا ينبغي أن نطرح السؤال:
هل احترام الكتاب والسنة يعني إلغاء تاريخ الأمة؟
هل العودة إلى السلف تعني إلغاء آلاف العلماء الذين جاءوا بعدهم؟
هل الدفاع عن العقيدة يعني تكفير أو تبديع أو إقصاء كل من لم يوافقك؟
هل النقد يعني أن يصبح كل تراث لا يعجبك «دخيلا»؟
الحادي عشر: النقد العلمي لا يبدأ بعبارة «أخطأوا» وينتهي بإدانة الجميع
النقد العلمي له شروط.
منها:
أن تفهم النص في سياقه.
أن تفرق بين الخطأ القطعي والخلاف الاصطلاحي.
أن تميز بين العبارة المحتملة والعبارة الصريحة.
أن تنقل كلام الخصم بأمانة.
أن تعترف بتعدد المدارس.
أن تعرف تاريخ المصطلحات.
أن تتجنب التعميم.
أن لا تحول الخلاف إلى اتهام.
أما أن تقرأ النص بأشد احتمال ممكن، ثم تحاكمه بناء على هذا الاحتمال، فهذا ليس إنصافا.
وأن تعترض على عبارة سياسية، ثم تنتقل إلى مهاجمة العقيدة الأشعرية والتصوف المغربي، فهذا يدل على أن المشكلة أكبر من عبارة في خطبة.
إنها مشكلة مع المنظومة كلها.
الثاني عشر: «تسديد التبليغ» ليس نصا مقدسا، لكن صاحبه أيضا ليس مرجعا مقدسا
من حق الناس أن يختلفوا مع خطبة «تسديد التبليغ».
ومن حقهم أن يروا أن بعض عباراتها تحتاج إلى تحسين.
ومن حقهم أن يطالبوا بمزيد من الدقة.
لكن من حق الآخرين أيضا أن يقولوا:
إن نقدكم ليس فوق النقد.
وإن قراءتكم ليست وحيا.
وإن فهمكم للسلف ليس هو السلف نفسه.
وإن شعار «الكتاب والسنة» لا يمنح صاحبه حصانة من الخطأ.
وإن رفع الصوت ضد الأشاعرة والصوفية لا يجعل صاحبه تلقائيا أكثر علما.
فالخطبة ليست مقدسة، نعم.
لكن الناقد أيضا ليس مقدسا.
والعلم لا يُقاس بحدة العبارات، ولا بكثرة أسماء العلماء، ولا بتوزيع شهادات الانحراف.
الخلاصة: بين «تجويد التبليغ» و«تسديد المذهب»
إذا كان الهدف فعلا هو تجويد خطبة الجمعة، فمرحبا بالنقد.
وإذا كان الهدف هو تصحيح عبارة أو ضبط مصطلح، فمرحبا بالبحث.
أما أن يتحول نقد الخطبة إلى منصة للطعن في العقيدة الأشعرية، والتقليل من التصوف المغربي، وإعادة تعريف البيعة، وإعادة تفسير الإمامة، وتقديم قراءة مذهبية خاصة باعتبارها الإسلام الصحيح، فهنا لا بد من قول كلمة واضحة:
هذا ليس مجرد نقد لخطبة.
هذا مشروع لإعادة صياغة الدين المغربي وفق رؤية مذهبية محددة.
والمشكلة ليست في أن تكون للإنسان قناعة مذهبية.
فلكل إنسان حقه في اختياراته الفكرية.
لكن المشكلة أن يقدم اختياره الشخصي باعتباره «السلف»، وأن يقدم مخالفيه باعتبارهم أهل بدع وانحراف، وأن يتعامل مع تاريخ المغرب الديني وكأنه خطأ تاريخي طويل ينتظر التصحيح.
لقد عاش المغاربة قرونا طويلة وهم مسلمون، مالكيون، أشاعرة، ومتصوفة على الطريقة السنية.
ولم يكونوا في انتظار منشور على مواقع التواصل الاجتماعي ليكتشفوا فجأة أن عقيدتهم ليست عقيدة أهل السنة، وأن علماءهم كانوا على خطأ، وأن تراثهم يحتاج إلى استبدال شامل.
ومن أراد أن ينتقد المغرب، فليقرأ تاريخه أولا.
ومن أراد أن ينتقد الأشاعرة، فليقرأ تراثهم كاملا لا مقتطفات منتقاة.
ومن أراد أن ينتقد التصوف، فليفرق بين التصوف السني والتصوف الفلسفي، ولا يجعل الجميع نسخة واحدة.
ومن أراد أن يتحدث عن السلف، فليتذكر أن السلف لم يكونوا جماعة معاصرة، ولم يمنحوا أحدا وكالة حصرية للتحدث باسمهم.
أما النقد الذي يبدأ بـ«أنا أستأذن العلماء» ثم ينتهي إلى توزيع الأحكام على المذاهب والمدارس والطرق والعلماء، فليس بالضرورة تواضعا علميا.
قد يكون أحيانا مجرد طريقة مهذبة لقول:
أنا أملك الحقيقة، وعلى الجميع أن يعيدوا قراءة تاريخهم من خلالي.
وهنا بالضبط ينبغي أن ننتبه.
فالمغرب لا يحتاج إلى وصاية مذهبية جديدة.
ولا يحتاج إلى من يكتشف له إسلامه بعد قرون من العلم والتاريخ.
إن كان هناك خطأ في خطبة، فليُصحح الخطأ.
أما أن تُتخذ الخطبة ذريعة لهدم منظومة دينية كاملة، فذلك ليس «تسديدا للتبليغ».
بل هو محاولة لتسديد المجتمع كله نحو اتجاه واحد.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق