أعلان الهيدر

المشاركات الشائعة

الأحد، 19 يوليو 2026

الرئيسية كفى استهدافًا لأئمة المغرب: الإمام موظفٌ ينفّذ التعليمات وليس خصمًا عقديًا

كفى استهدافًا لأئمة المغرب: الإمام موظفٌ ينفّذ التعليمات وليس خصمًا عقديًا

 كفى استهدافًا لأئمة المغرب: الإمام موظفٌ ينفّذ التعليمات وليس خصمًا عقديًا



هناك ظاهرة خطيرة بدأت تتكرر في الفضاء الرقمي وبعض المنابر الدعوية، تتمثل في جرأة بعض المنتسبين إلى التيار السلفي الوهابي على مهاجمة أئمة المساجد بالمغرب، وانتقادهم، والتشكيك في عقيدتهم، بل واتهام بعضهم بالبدعة والضلال، وأحيانًا الاقتراب من لغة التكفير الصريح أو التلميح إليه.


وهنا لا بد من قول الكلام بوضوح ودون مجاملة:


من يهاجم الإمام المغربي لأنه ألقى خطبة موحدة، أو التزم بتوجيهات وزارة الأوقاف، أو دعا إلى المذهب المعتمد رسميًا، فهو يخلط بين الإمام المأمور بتنفيذ وظيفته وبين العالم المستقل الذي يختار ما يشاء من المناهج والآراء.


الإمام في المسجد العمومي ليس صاحب قناة خاصة، ولا زعيم جماعة، ولا داعيةً حرًّا يضع لنفسه برنامجًا كيفما شاء. إنه موظف ديني يؤدي مهمة داخل مؤسسة رسمية، ويلتزم بالتوجيهات والبرامج والخطب التي تحددها الجهة الوصية على الشأن الديني.


فإذا كانت وزارة الأوقاف قد اعتمدت خطبة معينة، أو وجهت الأئمة إلى تناول موضوع محدد، أو طلبت منهم الالتزام بمذهب فقهي معين، فما ذنب الإمام؟


هل يُطلب من الإمام أن يعصي تعليمات الإدارة حتى يرضى عنه هذا الشيخ أو ذاك؟ هل يصبح الإمام مبتدعًا لأنه نفّذ أمرًا إداريًا؟ وهل يتحول إلى كافر أو ضال لأنه لم يوافق تصور جماعة دينية معينة؟


هذه ليست دعوة إلى منع النقد، فالنقد العلمي حق، والحوار الفكري حق، والاختلاف في مسائل الفقه والعقيدة موجود منذ قرون. لكن الفرق كبير بين النقد العلمي المحترم وبين تحويل الأئمة إلى أهداف للسب والتشهير والتبديع والتكفير.


الإمام المغربي ليس مسؤولًا عن اختيارات الوزارة


من السهل جدًا أن يجلس شخص خلف هاتفه، ويطلق الأحكام على إمام يقف أمام الناس كل يوم، ويؤدي وظيفته، ويواجه ضغوط المجتمع، ويتحمل مسؤولية المسجد، ثم يتهمه بأنه "مبتدع" أو "ضال" أو "لا يفهم التوحيد".


لكن السؤال البسيط هو:


هل هذا الإمام هو الذي وضع السياسة الدينية للدولة؟


الجواب: لا.


هل هو الذي اختار الخطبة الموحدة؟


الجواب: لا.


هل هو الذي قرر المذهب الرسمي المعتمد في البلاد؟


الجواب: لا.


هل هو الذي وضع برامج وزارة الأوقاف؟


الجواب: لا.


إذن لماذا يتحول الإمام وحده إلى كبش فداء؟


إن الإمام، في كثير من الحالات، ينفذ التعليمات التي تصله من الجهة المشرفة عليه. ومن غير المنطقي أخلاقيًا ولا شرعيًا أن يُحمَّل مسؤولية قرارات لم يتخذها.


ومن يريد مناقشة اختيارات وزارة الأوقاف فليناقشها بالعلم والأدب والحجة، وليوجه كلامه إلى الجهة المسؤولة، لا إلى إمام بسيط يؤدي عمله اليومي ويخضع لنظام إداري واضح.


التكفير ليس لعبة على مواقع التواصل


الأخطر من النقد هو التوسع في توزيع أحكام الكفر والبدعة والضلال.


لقد أصبح بعض الناس يتعاملون مع التكفير وكأنه زر يُضغط عليه بضغطة واحدة: يخالفك شخص في مسألة، فتتهمه بالبدعة؛ يختلف معك في منهج، فتصفه بالضلال؛ لا يوافقك في تصورك، فتفتح باب التكفير.


وهذا أمر بالغ الخطورة.


التكفير حكم خطير، وليس سلاحًا لتصفية الحسابات الدعوية.


ولا يجوز أن يتحول اختلاف الناس في المذاهب الفقهية، أو في المناهج التعليمية، أو في أساليب الدعوة، إلى منصة لتوزيع الاتهامات على المسلمين.


فكيف يجرؤ شخص مجهول على الإنترنت على تكفير إمام يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويصلي ويصوم ويؤم الناس، لمجرد أنه التزم بخطبة أو توجيه رسمي؟


أليس هذا من التسرع الذي ينبغي أن يحذر منه كل من يتحدث باسم الدين؟


المغرب له خصوصيته الدينية


المغرب ليس نسخة من بلد آخر، ولا تابعًا لمؤسسة دينية خارج حدوده.


للمغرب تاريخ ديني وعلمي عريق، وله اختياراته في تدبير الشأن الديني، وله مؤسساته، وعلماؤه، ومذاهبه، ومدارسه العلمية.


ومن حق المغاربة أن تكون لهم خصوصيتهم الدينية، وأن يختاروا الإطار الذي يرونه مناسبًا لوحدة المجتمع واستقراره.


أما أن يأتي شخص من خارج المؤسسة الرسمية، أو من تيار معين، ليحاكم كل إمام مغربي وفق معايير جماعته، ثم يوزع شهادات السنة والبدعة، والإيمان والكفر، فهذا أمر مرفوض.


لا أحد يملك صكوك الإيمان، ولا أحد يملك تفويضًا إلهيًا لتوزيع أحكام الكفر على الناس.


إلى من يهاجمون الأئمة: اختلفوا بأدب


إذا كنت ترى أن خطبة معينة غير مناسبة، فناقش مضمونها.


إذا كنت تختلف مع المذهب المالكي، فقدم حجتك العلمية.


إذا كنت ترى أن هناك خطأ في توجيه ديني، فاكتب مقالًا علميًا.


إذا كنت تعترض على سياسة وزارة الأوقاف، فوجه نقدك إلى الوزارة والجهات المسؤولة.


أما أن تهاجم إمامًا لا يملك إلا تنفيذ التعليمات، وتشهر به، وتتهمه في دينه وعقيدته، فهذه ليست شجاعة علمية، بل ظلم لمن لا يملك أحيانًا حتى حق اختيار الموضوع الذي سيتحدث فيه.


والأكثر تناقضًا أن بعض من يرفعون شعار طاعة ولي الأمر في مواضع معينة، يصبحون فجأة دعاةً إلى عصيان تعليمات المؤسسات الدينية الرسمية عندما لا تعجبهم.


فهل الطاعة مبدأ ثابت أم شعار يُرفع عندما يخدم الموقف؟


لا تجعلوا المساجد ساحة للصراع الأيديولوجي


المسجد مكان للعبادة، والتعليم، والسكينة، وليس ساحة لتصفية الصراعات بين التيارات الدينية.


والإمام ليس جنديًا في معركة بين السلفية والصوفية، ولا بين المالكية وغيرهم، ولا بين جماعة وأخرى.


الإمام في النهاية موظف يؤدي واجبه، وقد يختلف الناس مع الوزارة أو مع البرامج الرسمية، لكن لا يجوز تحويل الموظف الذي ينفذ التعليمات إلى عدو ديني.


إن استهداف الأئمة، والتحريض عليهم، والتشكيك في عقائدهم، وتكفيرهم أو التلميح بتكفيرهم، ليس إصلاحًا دينيًا، بل فتنة اجتماعية وفكرية خطيرة.


كلمة أخيرة


نقولها بوضوح:


من حقك أن تنتقد، لكن ليس من حقك أن تظلم.


من حقك أن تختلف، لكن ليس من حقك أن تكفّر.


من حقك أن تناقش المذهب والمنهج، لكن ليس من حقك أن تجعل إمامًا ينفذ تعليمات وزارته مسؤولًا عن كل ما لا يعجبك في السياسة الدينية.


وإذا كان لديك اعتراض على وزارة الأوقاف، فخاطب الوزارة.


وإذا كان لديك اعتراض على خطبة، فناقش الخطبة.


وإذا كان لديك خلاف علمي، فقدم الدليل.


أما تحويل الأئمة إلى أهداف للسب والتشهير والتكفير، فذلك ليس من العلم في شيء.


اتركوا أئمة المغرب يؤدون عملهم. فالإمام الذي يقف أمام الناس كل أسبوع لا يحتاج إلى وصاية من حساب مجهول، ولا إلى شهادة في الإسلام من شخص نصب نفسه قاضيًا على عقائد الناس.


والاختلاف لا يبرر الاعتداء، والنقد لا يبرر التكفير، والدعوة إلى الدين لا تكون بإهانة من يقف في محراب المسجد ويؤدي وظيفته.

يتم التشغيل بواسطة Blogger.