كيف ساهم محمد الخامس والمغاربة في تحرير الجزائر؟
مقال صحفي تاريخي موسَّع
تُعَدُّ الثورة الجزائرية واحدةً من أعظم حركات التحرر الوطني في القرن العشرين، فقد خاض الشعب الجزائري حربًا طويلة وشرسة ضد الاستعمار الفرنسي، انتهت باستعادة الجزائر استقلالها سنة 1962 بعد أكثر من سبع سنوات من الكفاح المسلح، وتضحيات بشرية هائلة.
غير أن الثورة الجزائرية، رغم كونها ثورة شعبية جزائرية خالصة في أهدافها وتضحياتها، لم تكن معزولة عن محيطها المغاربي والعربي والدولي. فقد وجدت منذ بدايتها تضامنًا واسعًا من شعوب المنطقة، وكان المغرب، بقيادة الملك محمد الخامس ثم خلفه الملك الحسن الثاني، من أبرز البلدان التي احتضنت القضية الجزائرية وساندت كفاح الشعب الجزائري سياسيًا وإنسانيًا ولوجستيًا.
إن الحديث عن هذا الدور لا يعني بأي حال من الأحوال الانتقاص من البطولة الجزائرية أو من تضحيات ملايين الشهداء والمجاهدين، بل هو محاولة لاستحضار صفحة من تاريخ مشترك جمع الشعبين المغربي والجزائري في مواجهة الاستعمار.
الاستعمار واحد والمصير مشترك
قبل اندلاع الثورة الجزائرية، كان المغرب نفسه يعيش تحت نظام الحماية الفرنسية والإسبانية. ولذلك كان المغاربة يعرفون جيدا معنى الاحتلال، ومصادرة الأراضي، وقمع الحريات، ونفي الزعماء، وفرض الإدارة الاستعمارية على البلاد.
وعندما اندلعت الثورة الجزائرية في الأول من نوفمبر 1954، لم ينظر إليها المغاربة باعتبارها صراعا بعيدا عنهم، بل رأوا فيها امتدادا طبيعيا للكفاح الذي خاضه الشعب المغربي ضد الاستعمار.
فالشعوب المغاربية كانت مرتبطة بروابط عميقة تتجاوز الحدود التي رسمها الاستعمار. فبين المغرب والجزائر تاريخ طويل من التواصل، والتجارة، والمصاهرة، والتداخل القبلي، والعلاقات الثقافية والدينية. وكانت مناطق وجدة وتلمسان، وشرق المغرب وغرب الجزائر، فضاءً تاريخيًا متصلًا قبل أن ترسم القوى الاستعمارية حدودًا سياسية جديدة.
ولهذا، عندما حمل الجزائريون السلاح ضد الاحتلال الفرنسي، وجدوا في المغاربة شعبًا يتفهم معاناتهم، لأن المغرب نفسه كان يعيش تجربة الاحتلال.
محمد الخامس والثورة الجزائرية
كان الملك محمد الخامس يتمتع بمكانة رمزية كبيرة في العالم العربي والإسلامي، كما كان يُنظر إليه باعتباره أحد رموز مقاومة الاستعمار في شمال إفريقيا.
وقد ارتبطت شخصيته بموقف وطني واضح منذ فترة الحماية، خصوصا بعد نفيه من طرف السلطات الاستعمارية الفرنسية سنة 1953، قبل أن يعود إلى المغرب سنة 1955 وسط استقبال شعبي تاريخي.
وبعد استقلال المغرب سنة 1956، أصبح موقف الملك محمد الخامس من القضية الجزائرية أكثر وضوحًا، إذ لم يعتبر أن استقلال المغرب يمثل نهاية المعركة، بل كان يرى أن استقلال المغرب لا يكتمل في ظل استمرار الاستعمار في الجزائر.
كان الوعي السائد لدى الحركة الوطنية المغربية أن الاستعمار الفرنسي في المغرب والجزائر وتونس يمثل منظومة واحدة، وأن تحرير بلد واحد يجب أن يكون خطوة نحو تحرير بقية بلدان المغرب العربي.
ومن هنا، تحولت القضية الجزائرية إلى قضية حاضرة في الخطاب السياسي المغربي، وإلى ملف أساسي في العلاقات المغربية مع القوى الدولية والعربية.
المغرب بعد الاستقلال: قاعدة خلفية للثورة
كان استقلال المغرب سنة 1956 نقطة تحول مهمة في مسار الثورة الجزائرية.
فبعد أن أصبح المغرب دولة مستقلة، بات بإمكانه أن يقدم دعما أكبر للثورة الجزائرية، خصوصا من خلال موقعه الجغرافي وحدوده الطويلة مع الجزائر.
وقد استفادت الثورة الجزائرية من وجود مناطق مغربية قريبة من الحدود، حيث أصبح بإمكان المجاهدين التحرك والاستفادة من المجال الجغرافي المغربي في عمليات الاتصال والتنظيم والإمداد.
وكانت الحدود الشرقية للمغرب مجالا حيويا للتواصل بين الثوار الجزائريين والمجاهدين، كما أصبحت بعض المناطق المغربية محطة لاستقبال الجزائريين الفارين من القمع الاستعماري، ومركزا للاتصال بين قيادة الثورة ومختلف شبكات الدعم.
لقد كان الجيش الفرنسي يدرك أهمية الحدود المغربية بالنسبة للثورة الجزائرية، ولذلك سعى إلى مراقبتها وتشديد الحصار عليها، كما أقام لاحقا خطوطا دفاعية وأسلاكا شائكة بهدف منع انتقال المجاهدين والأسلحة.
لكن الطبيعة الجغرافية للحدود، والعلاقات العميقة بين سكان المنطقة، جعلت من الصعب على الاستعمار أن يعزل الثورة تماما عن محيطها المغربي.
المغاربة واللاجئون الجزائريون
لم يكن الدعم المغربي للجزائر مقتصرا على الجانب العسكري والسياسي، بل كان له جانب إنساني كبير.
فقد فر آلاف الجزائريين من القرى والمناطق التي تعرضت للقصف والتدمير والمداهمات الاستعمارية، ووجد عدد منهم ملجأ في الأراضي المغربية.
وقد استقبل المغاربة هؤلاء اللاجئين، وتقاسموا معهم ما يملكون من طعام ومسكن وموارد، في مشهد يعكس طبيعة العلاقة الشعبية بين الطرفين.
ففي المناطق الحدودية، لم يكن اللاجئ الجزائري غريبا تماما عن المجتمع المغربي، بل كان في كثير من الحالات ينتمي إلى قبائل وعائلات تربطها علاقات قديمة بسكان الجهة الأخرى من الحدود.
وكانت المأساة الإنسانية التي عاشها الجزائريون نتيجة القصف والاعتقالات والتهجير حاضرة في الوعي المغربي، الأمر الذي جعل قضية اللاجئين الجزائريين قضية شعبية، وليست مجرد ملف سياسي.
الدعم اللوجستي للمجاهدين
كانت الثورة الجزائرية تحتاج إلى السلاح والذخيرة والتموين والاتصال، خصوصا مع تشديد الجيش الفرنسي قبضته على الداخل الجزائري.
ومن هنا، لعبت المناطق الواقعة خارج الجزائر دورا أساسيا في دعم الثورة، ولا سيما المغرب وتونس.
وقد ساهم الموقع الجغرافي للمغرب في توفير فضاء خلفي مهم للثورة الجزائرية. كما ساهمت شبكات التضامن بين المغاربة والجزائريين في تسهيل التواصل ونقل الأخبار وتوفير بعض أشكال الدعم.
وتشير الدراسات التاريخية إلى أن قواعد جيش التحرير الوطني الجزائري في الخارج اضطلعت بدور مهم في تنظيم الإمدادات، وتكوين المقاتلين، وربط الداخل بالخارج.
وقد شكل المغرب، إلى جانب تونس، أحد أهم المجالات التي استفادت منها الثورة الجزائرية في مواجهة الحصار الاستعماري.
وجدة وشرق المغرب في قلب الأحداث
احتلت مدينة وجدة ومناطق شرق المغرب موقعا خاصا في تاريخ الثورة الجزائرية.
فالقرب الجغرافي من الجزائر، والعلاقات التاريخية بين سكان المنطقة، جعلا شرق المغرب فضاءً طبيعيا للتواصل بين الطرفين.
وقد عرف سكان المنطقة تحركات المجاهدين واللاجئين، كما ارتبطت المنطقة بعمليات الإمداد والاتصال.
ولم تكن العلاقة بين سكان شرق المغرب وغرب الجزائر علاقة سياسية مؤقتة، بل كانت علاقة اجتماعية ضاربة في التاريخ.
فالعائلات والقبائل والتجار كانوا يتنقلون بين الضفتين قبل الاستعمار، ولذلك لم يكن رسم الحدود قادرا على قطع العلاقات الإنسانية.
وكانت هذه الروابط عاملا مساعدا للثورة الجزائرية، لأنها جعلت من الصعب على السلطات الاستعمارية إحكام السيطرة على الحدود بشكل كامل.
المغرب في المعركة الدبلوماسية
أدرك قادة الثورة الجزائرية أن الحرب لا يمكن أن تُحسم في الميدان العسكري وحده.
ففرنسا كانت قوة كبرى تمتلك جيشا ضخما ونفوذا دوليا واسعا، ولذلك كان من الضروري نقل القضية الجزائرية إلى المحافل الدولية.
وقد ساهم المغرب في دعم هذا المسار الدبلوماسي، من خلال الدفاع عن حق الشعب الجزائري في تقرير مصيره، والتعريف بالقضية الجزائرية، وفضح الممارسات الاستعمارية.
كما كان المغرب جزءا من الجهد العربي والدولي الرامي إلى مساندة الثورة الجزائرية، خصوصا في المنظمات والهيئات الدولية.
وقد ساعد الدعم السياسي الذي قدمته الدول العربية والمغاربية على إبقاء القضية الجزائرية حاضرة في الساحة الدولية، ومنع فرنسا من التعامل معها باعتبارها قضية داخلية لا يحق للمجتمع الدولي مناقشتها.
التضامن الشعبي المغربي
كان الشارع المغربي يتابع أخبار الثورة الجزائرية باهتمام كبير.
وقد لعبت الصحافة الوطنية دورا في نقل أخبار الثورة والتعريف بتضحيات الشعب الجزائري، كما ساهمت الجمعيات الوطنية والحركات السياسية في التعبئة لصالح القضية الجزائرية.
وكانت أخبار المعارك وسقوط الشهداء الجزائريين تصل إلى المغاربة، فتثير مشاعر التعاطف والغضب تجاه الاستعمار.
كما أن الروابط الدينية والثقافية بين الشعبين ساهمت في ترسيخ الشعور بأن الجزائريين ليسوا شعبا غريبا، بل هم إخوة في التاريخ والمصير.
وفي البيوت المغربية، كان الجزائريون يحظون بالتعاطف والمساعدة، وفي المدن والقرى، كانت القضية الجزائرية حاضرة في النقاش العام.
الثورة الجزائرية وتحدي الاستعمار الفرنسي
كانت فرنسا تدرك أن الثورة الجزائرية لا تتحرك داخل الجزائر فقط.
فقد حاولت السلطات الاستعمارية قطع الطرق المؤدية إلى الحدود المغربية والتونسية، وأقامت الحواجز والأسلاك الشائكة والمناطق العسكرية لمنع انتقال السلاح والمقاتلين.
كما مارست ضغوطا سياسية على الدول المجاورة، لأنها كانت تعرف أن الدعم الخارجي يمثل عاملا مهما في استمرار الثورة.
لكن الثورة الجزائرية تمكنت من الصمود رغم هذا الحصار.
وقد ساعدها في ذلك، إلى جانب عبقرية المجاهدين الجزائريين وتضحياتهم، وجود عمق عربي ومغاربي احتضن القضية ورفض أن يترك الشعب الجزائري وحيدا في مواجهة الاستعمار.
محمد الخامس: دعم قضية الجزائر رغم المخاطر
كان دعم القضية الجزائرية يحمل مخاطر سياسية كبيرة.
ففرنسا لم تكن قوة عادية، وكانت تملك نفوذا سياسيا واقتصاديا وعسكريا واسعا.
ومع ذلك، لم يكن المغرب بعد استقلاله مستعدا للتخلي عن القضية الجزائرية، لأن القيادة المغربية كانت ترى أن استقلال المغرب يجب أن يكون مقدمة لتحرير باقي المنطقة.
وهذا الموقف يعكس طبيعة المرحلة التي كان فيها مفهوم التضامن المغاربي قويا، وكانت فكرة بناء مغرب عربي مستقل ومتحرر من النفوذ الاستعماري حلما مشتركا لدى عدد كبير من قادة المنطقة.
وقد كان الملك محمد الخامس أحد أبرز الرموز التي جسدت هذا التصور.
من مؤتمر طنجة إلى حلم المغرب العربي
لم تكن القضية الجزائرية منفصلة عن فكرة التعاون بين المغرب والجزائر وتونس.
فقد ظهرت خلال تلك المرحلة محاولات لتنسيق المواقف بين البلدان المغاربية، وبرزت فكرة بناء تعاون سياسي واقتصادي يواجه الاستعمار.
وكان الهدف يتجاوز تحرير كل بلد على حدة إلى بناء فضاء مغاربي مستقل وقوي.
وقد أثبتت الثورة الجزائرية أن الشعوب المغاربية قادرة على التعاون عندما يتعلق الأمر بمواجهة الاستعمار، رغم اختلاف الظروف السياسية لكل بلد.
وكانت هذه الروح التضامنية من أهم عناصر القوة التي أحاطت بالثورة الجزائرية.
هل حرر المغاربة الجزائر؟
السؤال المطروح في عنوان هذا المقال يحتاج إلى إجابة دقيقة ومنصفة.
فالجزائر حررها الجزائريون أولا وقبل كل شيء.
لقد كان الشعب الجزائري هو الذي حمل السلاح، وخاض المعارك، وتحمل التعذيب، وقدم ملايين الشهداء، وصمد في وجه واحدة من أعنف القوى الاستعمارية.
لكن هذا لا يعني أن الثورة الجزائرية كانت بلا دعم خارجي.
فالمغرب ساهم في دعم الثورة الجزائرية سياسيا وإنسانيا ولوجستيا، وفتح مجاله لاستقبال اللاجئين والمجاهدين، وساند القضية الجزائرية في المحافل الدولية.
ومن ثم، فإن العبارة الأكثر دقة هي أن المغاربة ساهموا في دعم الثورة الجزائرية ومساندة كفاح الشعب الجزائري، بينما كان الشعب الجزائري هو صاحب الثورة والتضحية الأساسية في تحرير بلاده.
وهذه الحقيقة لا تنتقص من دور أي طرف، بل تمنح كل طرف حقه التاريخي.
استقلال الجزائر: انتصار للشعب الجزائري وللمنطقة
في الخامس من يوليوز 1962، أعلنت الجزائر استقلالها بعد سنوات طويلة من الحرب.
كان ذلك اليوم لحظة تاريخية عظيمة للشعب الجزائري، لكنه كان أيضا لحظة فرح في المغرب وبقية العالم العربي.
فقد كان انتصار الجزائر انتصارا لمبدأ التحرر الوطني، وضربة قوية للنظام الاستعماري، وأحد أكبر انتصارات حركات التحرر في القرن العشرين.
لقد أثبت الشعب الجزائري أن قوة الاحتلال، مهما بلغت، لا تستطيع إلى الأبد أن تقهر شعبا مصمما على الحرية.
كما أثبتت الثورة أن التضامن بين الشعوب يمكن أن يكون عاملا قويا في مواجهة الاستعمار.
ذاكرة مشتركة يجب ألا تمحوها الخلافات السياسية
لقد شهدت العلاقات المغربية الجزائرية بعد الاستقلال خلافات سياسية متعددة، لكن الخلافات السياسية لا ينبغي أن تمحو التاريخ المشترك.
فالشعبان المغربي والجزائري جمعتهما مقاومة الاستعمار، وجمعت بينهما علاقات اجتماعية وثقافية وتاريخية عميقة.
ومن المؤسف أن تتحول بعض صفحات التاريخ إلى مادة للصراع السياسي، فيحاول كل طرف أحيانا أن ينفي دور الطرف الآخر أو يقلل من تضحياته.
والحقيقة أن التاريخ العادل لا يقوم على إنكار تضحيات الآخرين.
فالجزائريون حرروا الجزائر بدمائهم، والمغاربة وقفوا إلى جانب الثورة الجزائرية، كما ساندت شعوب عربية أخرى القضية الجزائرية، وكل طرف له مكانه في سجل التاريخ.
خاتمة
إن الحديث عن مساهمة الملك محمد الخامس والمغاربة في دعم تحرير الجزائر ليس محاولة لكتابة تاريخ بديل، ولا سعيا إلى مصادرة بطولة الشعب الجزائري، وإنما هو استحضار لمرحلة تاريخية جسدت معنى التضامن المغاربي في أسمى صوره.
لقد وقف المغرب إلى جانب الجزائر في زمن كان فيه الاستعمار الفرنسي يفرض قبضته الحديدية على المنطقة. وقدم المغاربة الدعم السياسي والإنساني واللوجستي، واحتضنوا اللاجئين، وساهموا في توفير العمق الجغرافي للثورة، كما دافعوا عن القضية الجزائرية في المحافل الدولية.
أما الشعب الجزائري، فقد دفع الثمن الأكبر، وخاض حربا تاريخية ضارية، وقدم تضحيات جسيمة حتى انتزع استقلاله.
وهكذا، فإن الحقيقة التاريخية المتوازنة تقول إن الجزائر حررها أبناؤها، لكنهم لم يكونوا وحدهم في معركة التحرر؛ فقد وجدوا إلى جانبهم شعوبا شقيقة، وفي مقدمتها الشعب المغربي، وقيادة سياسية ممثلة في الملك محمد الخامس، آمنت بأن حرية المغرب لا تكتمل باستمرار احتلال الجزائر، وأن استقلال الجزائر كان انتصارا لكل شعوب المغرب العربي.
إنها صفحة من التاريخ ينبغي أن تُقرأ بعيدا عن المزايدات، وبعيدا عن خطاب الكراهية، وبعيدا عن محاولات توظيف الماضي في صراعات الحاضر.
عبد الهادي البقالي

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق