بعد ربع قرن من هجمات 11 سبتمبر.. تحديد موعد محاكمة «العقل المدبر» في يونيو 2028
واشنطن – بعد نحو ربع قرن على الهجمات التي هزّت الولايات المتحدة في 11 سبتمبر/أيلول 2001، حدد القضاء العسكري الأميركي موعدًا لمحاكمة خالد شيخ محمد، الذي تتهمه السلطات الأميركية بأنه العقل المدبر للهجمات، إلى جانب ثلاثة متهمين آخرين محتجزين في معتقل غوانتانامو.
وبحسب القرار القضائي، من المقرر أن تبدأ المحاكمة في 5 يونيو/حزيران 2028 أمام المحكمة العسكرية في قاعدة غوانتانامو البحرية الأميركية في كوبا، في أحدث تطور في قضية استمرت إجراءاتها لنحو عقدين، وشهدت سلسلة طويلة من التأجيلات والمنازعات القانونية.
قضية تعود إلى هجمات غيرت وجه العالم
في صباح 11 سبتمبر/أيلول 2001، اختطف 19 شخصًا أربع طائرات مدنية أميركية، واستخدموها في تنفيذ هجمات استهدفت مواقع بارزة في الولايات المتحدة.
اصطدمت طائرتان ببرجي مركز التجارة العالمي في نيويورك، فيما اصطدمت طائرة ثالثة بمبنى وزارة الدفاع الأميركية «البنتاغون». أما الطائرة الرابعة فتحطمت في ولاية بنسلفانيا بعد مقاومة من بعض ركابها.
وأودت الهجمات بحياة نحو ثلاثة آلاف شخص، وأحدثت تحولًا هائلًا في السياسة الأميركية والدولية، وأطلقت الولايات المتحدة بعدها ما عُرف بـ«الحرب على الإرهاب»، بما في ذلك التدخل العسكري في أفغانستان.
لكن بعد مرور نحو 25 عامًا على تلك الأحداث، لا تزال القضية القضائية الخاصة بالمتهمين الرئيسيين دون حكم نهائي.
خالد شيخ محمد.. المتهم بالتخطيط للهجمات
يُعد خالد شيخ محمد أبرز المتهمين في القضية، وتقول السلطات الأميركية إنه لعب دورًا رئيسيًا في التخطيط لهجمات 11 سبتمبر، وكان من الشخصيات البارزة في تنظيم القاعدة.
اعتُقل في باكستان عام 2003، قبل أن يدخل في منظومة الاحتجاز الأميركية التي انتهت بنقله إلى معتقل غوانتانامو.
ومنذ ذلك الحين، أصبحت قضيته واحدة من أكثر الملفات تعقيدًا في نظام المحاكم العسكرية الأميركية، بسبب طبيعة الاتهامات، والظروف التي مر بها المتهمون خلال سنوات احتجازهم، إضافة إلى الخلافات حول الأدلة التي يمكن استخدامها أمام المحكمة.
أربعة متهمين أمام المحكمة
تشمل المحاكمة، وفق الموعد المحدد حاليًا، أربعة متهمين هم خالد شيخ محمد، ووليد بن عطاش، وعلي عبد العزيز علي، ومصطفى أحمد الحوساوي.
وتتهم السلطات الأميركية هؤلاء بأدوار مختلفة في التخطيط للهجمات أو دعم منفذيها، فيما يواجهون اتهامات يمكن أن تؤدي، في حال صدور أحكام بالإدانة، إلى عقوبات شديدة تصل إلى الإعدام.
أما رمزي بن الشيبة، الذي كان متهمًا في القضية نفسها، فقد أصبح مساره القضائي منفصلًا بعد اعتباره غير مؤهل للمحاكمة بسبب وضعه العقلي.
لماذا استغرقت القضية كل هذا الوقت؟
لم يكن الوصول إلى المحاكمة أمرًا سهلًا في هذه القضية.
فمنذ بدء الإجراءات، واجه الادعاء والدفاع مجموعة كبيرة من المسائل القانونية، كان أبرزها طبيعة الأدلة التي جرى الحصول عليها خلال سنوات احتجاز المتهمين في منشآت سرية تابعة لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية.
كما أثارت أساليب الاستجواب التي تعرض لها بعض المتهمين نقاشًا قانونيًا واسعًا حول مدى إمكانية استخدام أقوالهم وأدلتهم أمام المحكمة.
هذه الملفات، إلى جانب القضايا المتعلقة بالأمن القومي وسرية المعلومات، ساهمت في إطالة الإجراءات وتأجيل المحاكمة مرات عديدة.
اتفاق اعتراف بالذنب لم يصمد
شهدت القضية تطورًا بارزًا في عام 2024، عندما توصل الادعاء إلى اتفاقات مع ثلاثة من المتهمين تقضي بإقرارهم بالذنب مقابل تجنب عقوبة الإعدام.
لكن هذه الاتفاقات لم تستمر، وأصبحت موضع نزاع سياسي وقانوني، قبل أن تعود القضية إلى مسار المحاكمة العسكرية.
وبذلك بقيت المحاكمة هي المسار الرئيسي للوصول إلى أحكام نهائية بحق المتهمين الذين لا يزالون مؤهلين للمثول أمام المحكمة.
يونيو 2028.. موعد طال انتظاره
كان من المقرر في مراحل سابقة أن تبدأ المحاكمة قبل ذلك، إلا أن الإجراءات التمهيدية والمنازعات القانونية حالت دون الوصول إلى جلسات المحاكمة النهائية.
وفي أحدث تطور، حُدد 5 يونيو/حزيران 2028 موعدًا لبدء المحاكمة.
وإذا بقي هذا الموعد قائمًا ولم تطرأ تأجيلات جديدة، فسيكون قد مضى حينها ما يقرب من 27 عامًا على هجمات 11 سبتمبر.
ويعكس طول المدة حجم التعقيدات التي تحيط بالقضية، إذ لم يكن التأخير مرتبطًا بعامل واحد، بل تراكمت على مدى السنوات مسائل قانونية وأمنية وإجرائية جعلت الوصول إلى المحاكمة أكثر صعوبة.
غوانتانامو في قلب القضية
من المقرر أن تجري المحاكمة في قاعدة غوانتانامو البحرية الأميركية في كوبا، المكان الذي أصبح مرتبطًا عالميًا بملف المعتقلين المتهمين بالإرهاب بعد هجمات 11 سبتمبر.
وتختلف المحاكمات العسكرية في غوانتانامو عن المحاكمات المدنية التقليدية في الولايات المتحدة، وقد ظلت طبيعة هذا النظام محل نقاش قانوني وسياسي واسع منذ إنشائه.
وتُعد قضية خالد شيخ محمد ورفاقه من أبرز القضايا التي اختبرت هذا النظام، نظرًا إلى خطورة الاتهامات وحجم الأدلة والملفات السرية المرتبطة بها.
عائلات الضحايا تنتظر العدالة
بالنسبة إلى عائلات ضحايا هجمات 11 سبتمبر، فإن مرور كل هذه السنوات دون محاكمة نهائية يمثل فصلًا طويلًا من الانتظار.
فمنذ عام 2001، ظل أقارب الضحايا يطالبون بكشف الحقائق ومحاسبة المسؤولين عن الهجمات، بينما استمرت القضية في أروقة القضاء العسكري الأميركي عامًا بعد عام.
ومن المتوقع أن تحظى المحاكمة، إذا بدأت في موعدها، باهتمام إعلامي وقانوني واسع، ليس فقط بسبب أسماء المتهمين، وإنما أيضًا بسبب الأسئلة المتعلقة بالأدلة وطرق الحصول عليها، وما إذا كانت المحكمة ستتمكن أخيرًا من الوصول إلى أحكام نهائية.
هل تكون هذه المرة مختلفة؟
تحديد موعد جديد للمحاكمة يمثل خطوة مهمة، لكنه لا يعني بالضرورة أن المسار القضائي وصل إلى نهايته.
فالتاريخ الطويل للقضية يظهر أن المواعيد السابقة لم تكن بمنأى عن التأجيل والتغيير نتيجة الطعون والإجراءات التمهيدية.
ولهذا، ستظل الأنظار متجهة إلى جلسات ما قبل المحاكمة خلال الفترة المقبلة، وإلى القرارات التي ستتخذ بشأن الأدلة والشهادات والقضايا القانونية العالقة.
وفي حال انعقاد المحاكمة فعلًا في يونيو 2028، ستكون الولايات المتحدة أمام واحدة من أكثر المحاكمات انتظارًا في تاريخها الحديث، بعد نحو 27 عامًا من الهجمات التي أعادت رسم ملامح السياسة والأمن الدوليين.
ويبقى السؤال الأبرز: هل يكون يونيو 2028 هو الموعد الذي تنطلق فيه أخيرًا المحاكمة التي انتظرها القضاء الأميركي وعائلات الضحايا طوال هذه السنوات، أم أن القضية ستواجه فصلًا جديدًا من التأجيلات والمنازعات القانونية؟

إرسال تعليق