مفهوم مفهوم

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

إدريس البصري.. سيرة رجلٍ صنع نفوذه داخل وزارة الداخلية المغربية

 

إدريس البصري.. سيرة رجلٍ صنع نفوذه داخل وزارة الداخلية المغربية

يُعدّ إدريس البصري واحدًا من أكثر رجال الدولة إثارةً للجدل في تاريخ المغرب المعاصر، فقد ارتبط اسمه بمرحلة طويلة من حكم الملك الحسن الثاني، وتولى وزارة الداخلية لأكثر من عشرين عامًا، بين 1979 و1999. وخلال هذه الفترة أصبح أحد أبرز الوجوه السياسية والأمنية في البلاد، قبل أن يُعفى من منصبه في عهد الملك محمد السادس.

النشأة والبدايات

وُلد إدريس البصري في 8 نوفمبر 1938 بمدينة سطات، ونشأ في أسرة متواضعة؛ وكان والده يعمل حارسًا في أحد السجون بمنطقة عين علي مومن. تلقى تعليمه الأولي في المنطقة، ثم تابع دراسته بمدينة سطات، قبل أن ينتقل إلى مسار مهني في أجهزة الأمن والإدارة.

بدأ البصري مسيرته المهنية في سلك الشرطة، وتدرج في عدد من المسؤوليات الأمنية إلى أن أصبح عميدًا ممتازًا بالأمن الإقليمي بالرباط، ثم انتقل إلى وزارة الداخلية، حيث تولى مسؤوليات مرتبطة بالشؤون العامة ورجال السلطة.

صعوده داخل الأجهزة الأمنية

كان عام 1973 محطة أساسية في مسيرة إدريس البصري، إذ عُيّن على رأس الإدارة العامة لمراقبة التراب الوطني، وهي المؤسسة المرتبطة بالاستخبارات الداخلية. وفي أبريل 1974 عُيّن كاتبًا للدولة في الداخلية، وهو المنصب الذي ظل يشغله حتى وصوله إلى قمة الوزارة.

وفي مارس 1979 أصبح وزيرًا للداخلية، ليبدأ بذلك فصل طويل من مسيرته السياسية استمر حتى عام 1999.

وزير الداخلية والرجل القوي

خلال فترة توليه وزارة الداخلية، أصبح البصري من أكثر الشخصيات نفوذًا في الدولة المغربية، خصوصًا خلال العقود الأخيرة من عهد الملك الحسن الثاني.

وقد ارتبط اسمه بما يعرف في الأدبيات السياسية والحقوقية المغربية بـ "سنوات الرصاص"، وهي المرحلة التي شهدت توترات سياسية واتهامات بوقوع انتهاكات لحقوق الإنسان وقمع للمعارضة. وتعتبره منظمات وفاعلون حقوقيون أحد أبرز رموز تلك المرحلة، بينما ظل البصري نفسه يدافع عن دوره ويرى أن عمله كان مرتبطًا بحماية الدولة واستقرارها.

ولذلك ظل تقييم تجربته محل خلاف كبير؛ فبينما يراه منتقدوه رمزًا للسلطة الأمنية القوية، يرى آخرون أنه كان رجل دولة امتلك معرفة واسعة بالإدارة الترابية والملفات السياسية والأمنية.

الجمع بين الداخلية والإعلام

في 15 نوفمبر 1985، جمع إدريس البصري بين منصب وزير الداخلية ووزير الإعلام، وهو ما عزز مكانته داخل مؤسسات الدولة. واستمر في الجمع بين المنصبين مع صفة وزير دولة خلال جزء من تسعينيات القرن الماضي.

وفي عام 1995 أصبح وزير دولة ووزيرًا للداخلية في حكومة عبد اللطيف الفيلالي، بعد الفصل بين وزارتي الداخلية والاتصال، واستمر في منصبه خلال حكومة عبد الرحمن اليوسفي التي تشكلت سنة 1998.

علاقته بالملك الحسن الثاني

ارتبط صعود البصري بعلاقته الوثيقة بمؤسسة الحكم في عهد الملك الحسن الثاني. وقد أصبح، على مدى سنوات طويلة، أحد أهم المسؤولين المكلفين بالملفات الأمنية والسياسية والإدارية.

وتصفه بعض المصادر بأنه كان من أكثر الشخصيات نفوذًا في المملكة خلال تلك المرحلة، في حين تؤكد مصادر أخرى ضرورة عدم اختزال بنية الحكم آنذاك في شخص البصري وحده، باعتبار أن القرار السياسي كان مرتبطًا بمؤسسات وأجهزة متعددة.

رجل الإدارة والقانون

على الرغم من ارتباط اسمه أساسًا بالأمن والسياسة، اهتم إدريس البصري أيضًا بالدراسة الأكاديمية والقانون. وتشير المصادر إلى حصوله على تكوين في القانون العام، ودبلوم للدراسات العليا، ثم دكتوراه الدولة في القانون العام من جامعة العلوم الاجتماعية في غرونوبل بفرنسا سنة 1987. كما ارتبط بالتدريس الجامعي والأبحاث المتعلقة بالإدارة الترابية.

ومن مؤلفاته التي نُسبت إليه كتب ودراسات حول الإدارة الترابية، من بينها "رجل السلطة" و**"الإدارة الترابية بالمغرب: النظام والتنمية"** و**"اللامركزية في المغرب: من الجماعة إلى الجهة"**.

نهاية المرحلة السياسية

في 9 نوفمبر 1999، وبعد أشهر قليلة من اعتلاء الملك محمد السادس العرش، أُعفي إدريس البصري من منصبه وزيرًا للداخلية، في خطوة اعتبرها كثير من المراقبين جزءًا من التحولات السياسية التي عرفها المغرب في بداية العهد الجديد. وقد وُشّح بالحمالة الكبرى لوسام العرش عند إعفائه.

بعد مغادرته السلطة، ابتعد عن الحياة السياسية الرسمية، وانتقل في سنواته الأخيرة إلى فرنسا، حيث ظل يدلي بتصريحات حول تجربته وعلاقته بالنظام السياسي المغربي.

الوفاة

توفي إدريس البصري في 27 أغسطس 2007 بأحد مستشفيات فرنسا، عن عمر ناهز 69 عامًا، بعد معاناة مع المرض. ودُفن في المغرب.

إرث سياسي مثير للجدل

بعد مرور سنوات على رحيله، لا يزال اسم إدريس البصري حاضرًا في النقاش حول تاريخ المغرب السياسي الحديث. فقد جمع في شخصه بين رجل الأمن، والمسؤول الإداري، والوزير النافذ، والباحث في القانون والإدارة الترابية.

لكن إرثه يبقى منقسمًا بين صورتين متعارضتين: صورة رجل الدولة القوي الذي لعب دورًا محوريًا في إدارة البلاد خلال مرحلة حساسة، وصورة المسؤول الأمني الذي ارتبط اسمه بسنوات الرصاص والانتهاكات التي شهدها المغرب في تلك الفترة. ولذلك فإن دراسة سيرته تتطلب وضع تجربته في سياقها التاريخي والسياسي، بعيدًا عن التقديس أو الإدانة المطلقة.

إدريس البصري لم يكن مجرد وزير داخلية عابر؛ بل كان شخصية مركزية في تاريخ المغرب خلال النصف الثاني من القرن العشرين، ولا تزال تجربته تثير أسئلة حول السلطة والأمن والإدارة والعلاقة بين الدولة والمعارضة.

عن الكاتب

مفهوم مفهوم منصة معرفية تهدف إلى تبسيط الأفكار العميقة، وتنمية الوعي والتفكير النقدي، عبر مقالات رصينة تُقارب قضايا الفكر، الثقافة، والإنسان بلغة واضحة ورؤية متزنة، بعيدًا عن السطحية والتلقين.
';

اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

المشاركات الشائعة

جميع الحقوق محفوظة

مفهوم