الصحراء الشرقية بين التاريخ والحدود: هل تكشف الوثائق جذور النزاع المغربي الجزائري؟
تُعد قضية ما يُعرف في الخطاب المغربي بـ«الصحراء الشرقية» واحدة من أكثر الملفات حساسية في تاريخ العلاقات المغربية الجزائرية. فخلف الحدود الممتدة اليوم بين البلدين توجد قصة طويلة بدأت قبل قيام الدولة الجزائرية الحديثة، وارتبطت بتوسع الاستعمار الفرنسي في شمال إفريقيا، وبإعادة رسم الحدود الإدارية والسياسية للمنطقة، ثم تحولت بعد استقلال الجزائر إلى نزاع سياسي وعسكري بلغ ذروته في حرب الرمال سنة 1963.
لكن السؤال الذي يستحق البحث ليس فقط: هل كانت هذه المناطق مغربية تاريخياً؟ وإنما أيضاً: ماذا تقول الوثائق والمعاهدات والخرائط نفسها؟ ومتى تحولت الحدود الصحراوية من مجال مفتوح للقبائل والقوافل إلى خطوط سياسية ثابتة؟
من حدود السلطنة إلى حدود الاستعمار
قبل الاستعمار الأوروبي، لم تكن الحدود في الصحراء والمناطق القبلية تشبه الحدود الدولية المعروفة اليوم. فقد كانت السلطة السياسية تعتمد بدرجات متفاوتة على الولاء للسلطان، وعلى البيعة، وعلى نفوذ القيادات المحلية والقبائل، بينما كانت مناطق واسعة من الصحراء فضاءً للحركة والرعي والتجارة.
وهنا تكمن أهمية كتاب المؤرخ الأمريكي فرانك إي. تراوت Morocco's Saharan Frontiers الصادر سنة 1969، وهو عمل تاريخي موسع من أكثر المراجع ارتباطاً بموضوع الحدود الصحراوية المغربية. ويخصص الكتاب فصولاً كاملة لأصول الحدود الجزائرية المغربية، وتوات وغورارة وتيديكلت، ومنطقة تندوف، والبروتوكولات الفرنسية، وإعادة رسم الحدود خلال فترة الاستعمار.
وتكشف بنية هذا العمل، قبل الدخول حتى في تفاصيل مضمونه، أن مسألة الحدود لم تكن قضية بسيطة نشأت بعد استقلال البلدين، وإنما كانت نتاجاً لتطورات استعمارية متراكمة خلال القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.
معاهدة لالة مغنية سنة 1845... الوثيقة الأكثر أهمية
تأتي معاهدة لالة مغنية الموقعة في 18 مارس 1845 في مقدمة الوثائق التي لا يمكن تجاوزها عند دراسة تاريخ الحدود المغربية الجزائرية.
المعاهدة جاءت بعد الحرب الفرنسية المغربية ومعركة إيسلي سنة 1844، وفي سياق كانت فيه فرنسا قد بدأت بالفعل في تثبيت احتلالها للجزائر.
وتنص المادة الأولى من المعاهدة على الإبقاء على الحدود التي كانت موجودة سابقاً بين المغرب والدولة العثمانية، بحيث تصبح حدوداً بين المغرب والجزائر، مع التأكيد على عدم تجاوز أي طرف لحدود الطرف الآخر.
أما المادة الثانية فتنص على قاعدة واضحة: ما يقع شرق خط الحدود للجزائر، وما يقع غربه للمغرب.
لكن المفارقة الأساسية تظهر عند الانتقال إلى الصحراء.
الصحراء لم تُرسم فيها حدود واضحة
المادة الرابعة من معاهدة لالة مغنية تقر بأن الحدود في الصحراء لم تكن بحاجة إلى تحديد خطي واضح، لأن المنطقة كانت تُستعمل للرعي والتنقل، وكانت القبائل تتحرك بحثاً عن المياه والمراعي.
وبالتالي لم ترسم المعاهدة حدوداً هندسية تمتد جنوباً إلى عمق الصحراء بالشكل الذي نعرفه اليوم.
كما حددت المعاهدة بعض القبائل والقصور التابعة لكل طرف، وذكرت ضمن القصور المغربية ييش وفجيج، بينما أدرجت قصوراً أخرى ضمن الجانب الجزائري.
وهنا تبدأ واحدة من أعقد حلقات القضية.
فمن جهة، توجد معاهدة رسمية حددت جزءاً من الحدود. ومن جهة أخرى، تركت مساحات صحراوية واسعة دون خط حدودي واضح.
وهذا الفراغ الحدودي أصبح لاحقاً أرضية لنزاعات وتأويلات مختلفة.
ماذا فعلت فرنسا بعد ذلك؟
تُظهر الأرشيفات الفرنسية أن عملية تحديد الحدود لم تتوقف عند معاهدة 1845، بل استمرت خلال العقود التالية من القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.
وتحتفظ المكتبة الوطنية الفرنسية بخريطة تعود إلى سنة 1845 بعنوان يتعلق بتحديد الحدود بين الجزائر والمغرب في التل والصحراء حتى ثنية الساسي، وقد أُنجزت وفق أعمال هيئة الأركان وبالاستناد إلى اتفاقية 18 مارس 1845.
كما يحتفظ المركز التاريخي للدفاع الفرنسي بأصل أرشيفي للخريطة نفسها، وهو ما يؤكد أن عملية رسم الحدود كانت جزءاً من العمل الإداري والعسكري الفرنسي في المنطقة.
لكن جنوب ثنية الساسي ظل أكثر تعقيداً.
فلم تكن المنطقة الصحراوية عبارة عن دول وحدود مرسومة على الأرض، وإنما فضاءً تتحرك فيه القبائل والقوافل، وهو ما جعل انتقال السلطة الفرنسية من الجزائر إلى مناطق جديدة أمراً ذا آثار سياسية وإقليمية كبيرة.
توات وغورارة وتيديكلت... قلب الجدل التاريخي
عند الحديث عن «الصحراء الشرقية» لا يتعلق الأمر بتندوف وحدها.
فالجدل التاريخي يشمل أيضاً مناطق واحات الصحراء الكبرى، وعلى رأسها توات وغورارة وتيديكلت.
ويظهر ذلك بوضوح في دراسة فرانك تراوت، الذي خصص فصولاً لأصول الحدود الجزائرية المغربية، وللمصالح الجزائرية الفرنسية في توات وغورارة وتيديكلت خلال الفترة 1880-1899، ثم للتطورات التي أدت إلى إعادة تنظيم الحدود والمناطق الصحراوية.
وهذا لا يعني، بالضرورة، أن كل هذه المناطق يمكن قانونياً اعتبارها اليوم «أراضي مغربية» بمجرد الاستناد إلى التاريخ.
وهنا يجب التمييز بين التاريخ السياسي والسيادة القانونية الحديثة.
الفرق بين النفوذ المغربي والسيادة الحديثة
من أكثر الأخطاء شيوعاً في هذا النقاش التعامل مع مفهوم «المغرب التاريخي» وكأنه مطابق تماماً لمفهوم الدولة الحديثة وحدودها الدولية.
في القرون السابقة، كان النفوذ السلطاني يمكن أن يكون متفاوتاً من منطقة إلى أخرى. وقد توجد مناطق تعترف بالسلطان وتدفع الزكاة أو تتلقى التعيينات السلطانية، بينما تحتفظ القبائل في الوقت نفسه بدرجة كبيرة من الاستقلال المحلي.
وهذا يجعل الوثائق التاريخية بحاجة إلى قراءة دقيقة.
فوجود علاقة سياسية أو دينية أو قبلية بين منطقة ما والسلطان المغربي يشكل عنصراً مهماً في دراسة التاريخ، لكنه لا يكفي وحده لإثبات السيادة الإقليمية وفق قواعد القانون الدولي المعاصر.
وهذه النقطة مهمة جداً لفهم الجدل حول الصحراء الشرقية.
تندوف... العقدة الأكثر حساسية
تندوف تمثل الجزء الأكثر شهرة من النزاع المغربي الجزائري حول الحدود.
ويؤكد الأرشيف الفرنسي وجود ملف خاص بتطور الخلافات المغربية الجزائرية حول تندوف خلال الفترة 1958-1969، بما في ذلك النزاع الحدودي وحرب 1963.
كما خصص المؤرخ الفرنسي أوليفييه فيرغنيو دراسة بعنوان «تندوف، نقطة ملتبسة (1912-1934)»، وصف فيها المنطقة بأنها نقطة حساسة في الجغرافيا السياسية المغاربية، وربط تاريخها بالنزاع المغربي الجزائري وحرب الرمال.
وهذا يوضح أن قضية تندوف لم تظهر فجأة بعد الاستقلال، بل كانت لها جذور تعود إلى المرحلة الاستعمارية.
لماذا اندلعت حرب الرمال سنة 1963؟
بعد استقلال الجزائر سنة 1962، لم تختفِ الخلافات حول الحدود التي خلفها الاستعمار الفرنسي.
وبعد أقل من عام، اندلعت حرب الرمال بين المغرب والجزائر.
وتشير وثائق وزارة الخارجية الأمريكية المنشورة ضمن مجموعة الوثائق التاريخية الرسمية إلى أن النزاع شمل نقاطاً في المنطقة الحدودية، وأن مسألة تندوف وثرواتها المعدنية كانت من بين العناصر المرتبطة بالموقف المغربي في تلك المرحلة. كما أشارت وثيقة أمريكية أخرى إلى أن الحدود الدولية في تلك المنطقة لم تكن محددة بشكل كامل.
لكن الحرب لم تؤدِّ إلى تغيير الحدود.
وانتهى النزاع عسكرياً وسياسياً دون نقل رسمي للسيادة على تندوف أو بشار إلى المغرب.
وهذه حقيقة أساسية ينبغي عدم تجاهلها عند كتابة أي تحليل تاريخي للموضوع.
من حرب الرمال إلى اتفاقية 1972
بعد سنوات من التوتر، اتجه البلدان إلى تسوية الملف الحدودي بالطرق الدبلوماسية.
وفي 15 يونيو 1972، وقّع المغرب والجزائر في الرباط اتفاقية تتعلق بخط الحدود بين الدولتين.
وتظهر سجلات الأمم المتحدة أن الاتفاقية أُبرمت سنة 1972، وأنها دخلت حيز التنفيذ في 14 مايو 1989 بعد تبادل وثائق التصديق، وأنها مسجلة ضمن مجموعة معاهدات الأمم المتحدة ومرفقة بخرائط.
وهذه الوثيقة تمثل نقطة تحول جوهرية.
فمن منظور القانون الدولي الحديث، لا يمكن تحليل الوضع الحالي للحدود بمعزل عن الاتفاقية التي وقّعها البلدان سنة 1972 ودخلت حيز التنفيذ سنة 1989.
وبذلك أصبح من الضروري التفريق بين سؤالين:
ماذا كانت طبيعة المجال السياسي المغربي قبل الاستعمار؟
وما هي الحدود الدولية التي اعترف بها الطرفان لاحقاً؟
هل تثبت الوثائق أن الصحراء الشرقية «مغربية»؟
الجواب يحتاج إلى قدر كبير من الدقة.
الوثائق التاريخية تقدم بالفعل مادة واسعة للنقاش حول طبيعة النفوذ المغربي في مناطق صحراوية وقبلية تقع اليوم داخل الجزائر، وتكشف أن الحدود الحالية لم تكن دائماً مرسومة بالطريقة نفسها، وأن الإدارة الاستعمارية الفرنسية لعبت دوراً أساسياً في إعادة تنظيم المجال الترابي.
كما أن الدراسات التاريخية المتخصصة، ومنها عمل تراوت، تتناول بصورة مباشرة نشأة النزاع حول الحدود الصحراوية وتطورها، بما في ذلك تندوف وتوات وغورارة وتيديكلت.
لكن هذا لا يعني أن الوثائق تسمح بإطلاق حكم قانوني بسيط مفاده أن جميع تلك المناطق «مغربية اليوم».
فالقانون الدولي المعاصر ينظر أيضاً إلى الاتفاقيات اللاحقة، والممارسة الفعلية للسيادة، والاعترافات الدولية، ومبدأ استقرار الحدود، وهي عناصر تجعل القضية أكثر تعقيداً من مجرد استعادة خريطة تاريخية.
لماذا يبقى الملف حاضراً في الذاكرة المغربية؟
لأن جزءاً من الذاكرة السياسية المغربية يرى أن الاستعمار الفرنسي لم يرسم الحدود وفق اعتبارات تاريخية محلية، وإنما وفق حاجاته العسكرية والإدارية والاستراتيجية.
وتدعم بعض الدراسات هذا الاتجاه من خلال تتبع تطور الإدارة الفرنسية في المناطق الحدودية، وإعادة تنظيم القطاعات الإدارية، وتغيير الخطوط التي كانت تعتمدها السلطات الاستعمارية في فترات مختلفة. ويظهر كتاب تراوت تحديداً عناوين وفصولاً حول تقليص القطاع المغربي، وإعادة تعريف الحدود الصحراوية خلال فترة الحماية، ثم النزاع مع الجزائر المستقلة.
لكن في المقابل، فإن الجانب الجزائري يستند إلى مبدأ آخر أصبح مهماً في إفريقيا بعد الاستقلال، وهو احترام الحدود التي ورثتها الدول عن المرحلة الاستعمارية، تجنباً لفتح باب نزاعات حدودية لا نهاية لها.
وقد ظهرت هذه الفكرة بوضوح في سياق حرب الرمال، إذ تشير وثائق دبلوماسية أمريكية إلى أن منظمة الوحدة الإفريقية كانت تتمسك بمبدأ عدم تغيير الحدود الاستعمارية بالقوة.
الصحراء الشرقية ليست مجرد خريطة
القضية في جوهرها ليست مجرد خط مرسوم على خريطة.
إنها نتيجة لتداخل أربعة مستويات تاريخية:
أولاً: مستوى الدولة المغربية قبل الاستعمار، ونطاق نفوذ السلطان والقبائل والواحات.
ثانياً: مستوى التوسع الفرنسي في الجزائر والصحراء، وما رافقه من تنظيم إداري وعسكري جديد.
ثالثاً: مرحلة الاستقلال، عندما ورثت الجزائر حدوداً إدارية استعمارية وتحولت تلك الحدود إلى حدود دولة ذات سيادة.
رابعاً: مرحلة الاتفاقيات المغربية الجزائرية اللاحقة، خصوصاً اتفاقية 1972 التي دخلت حيز التنفيذ سنة 1989.
ومن هنا، فإن اختزال القضية في شعار سياسي واحد يفقدها الكثير من بعدها التاريخي والقانوني.
ماذا تقول الوثائق فعلاً؟
عند وضع الوثائق الأساسية جنباً إلى جنب، تظهر صورة أكثر تعقيداً:
- معاهدة لالة مغنية 1845 رسمت جزءاً من الحدود وأبقت الصحراء الجنوبية في وضع غير محدد بخط جغرافي واضح.
- الخرائط الفرنسية الرسمية تثبت أن الإدارة الاستعمارية اشتغلت على تحديد الحدود وإعادة تنظيم المجال الحدودي.
- الدراسات التاريخية المتخصصة تتناول وجود نزاع حول مناطق مثل توات وغورارة وتيديكلت وتندوف، وتربط جذوره بالتوسع الفرنسي وإعادة تنظيم الحدود.
- الوثائق الدبلوماسية في الستينيات تؤكد أن الحدود في منطقة تندوف كانت موضع خلاف بعد الاستقلال، وأن حرب الرمال ارتبطت بهذا النزاع.
- اتفاقية 1972 أصبحت لاحقاً الإطار القانوني الحدودي بين الدولتين، ودخلت حيز التنفيذ سنة 1989.
الخلاصة: بين الذاكرة والتاريخ والقانون
إن الحديث عن «مغربية الصحراء الشرقية» يجب أن يكون مبنياً على الوثائق، لا على الشعارات وحدها.
فالوثائق تؤكد أن الحدود المغربية الجزائرية الحالية هي نتاج تاريخ طويل من المعاهدات والتدخل الاستعماري والتقسيمات الإدارية والصراعات التي أعقبت الاستقلال.
وتؤكد كذلك أن أجزاء واسعة من المجال الصحراوي لم تكن تعرف في القرن التاسع عشر الحدود الهندسية الصارمة التي أصبحت قاعدة للدولة الحديثة.
لكن الوثائق نفسها تؤكد أيضاً أن المغرب والجزائر دخلا لاحقاً في مسار تفاوضي انتهى إلى اتفاقية حدودية سنة 1972، دخلت حيز التنفيذ سنة 1989، وهو عنصر قانوني لا يمكن تجاوزه عند تقييم الوضع الراهن.
لذلك، فإن السؤال الأكثر دقة ليس فقط: «هل الصحراء الشرقية مغربية؟»
بل:
كيف تشكلت حدود المغرب والجزائر؟ ومن رسمها؟ وما الذي كان موجوداً قبل الاستعمار؟ وما الذي تغير خلال الاحتلال الفرنسي؟ وكيف تعاملت الدولتان بعد الاستقلال مع هذا الإرث؟ وهل يمكن أن تتعارض الذاكرة التاريخية مع الوضع القانوني الحديث للحدود؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة تتطلب قراءة هادئة للأرشيف الفرنسي، والمعاهدات المغربية الفرنسية، والخرائط التاريخية، والوثائق الدبلوماسية، واتفاقيات ما بعد الاستقلال.
وهنا تحديداً تكمن أهمية ملف الصحراء الشرقية: فهو ليس مجرد قضية سياسية عابرة، بل فصل من تاريخ المغرب الكبير يكشف كيف أدى الاستعمار إلى تحويل فضاء قبلي وتجاري واسع إلى حدود دولية، ثم ترك للدول المستقلة مهمة التعامل مع إرث جغرافي لم تكن هي التي رسمته في الأصل.

إرسال تعليق