مفهوم مفهوم

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

العلاقة بين المغرب وإسرائيل والمغاربة الإسرائيليين: تاريخ معقّد بين الدبلوماسية والهوية والذاكرة

 العلاقة بين المغرب وإسرائيل والمغاربة الإسرائيليين: تاريخ معقّد بين الدبلوماسية والهوية والذاكرة

لم تكن العلاقة بين المغرب وإسرائيل وليدة اتفاق التطبيع الذي أُعلن عنه في نهاية عام 2020، بل سبقتها عقود من الاتصالات غير المباشرة والعلاقات السياسية والأمنية والاقتصادية، كما ارتبطت منذ البداية بعنصر إنساني وثقافي شديد الخصوصية، هو اليهود المغاربة الذين انتقل قسم كبير منهم إلى إسرائيل وأصبحوا جزءًا مهمًا من المجتمع الإسرائيلي.

ولهذا تبدو العلاقة المغربية الإسرائيلية مختلفة عن كثير من العلاقات العربية الإسرائيلية الأخرى؛ فهي لا تقوم فقط على الحسابات الجيوسياسية والمصالح الاقتصادية، وإنما تتداخل فيها أيضًا الذاكرة المغربية، والهجرة اليهودية، والتراث العبري المغربي، وقضية الصحراء، والعلاقات مع الولايات المتحدة، إضافة إلى القضية الفلسطينية.

من المغرب إلى إسرائيل... قصة يهودية مغربية عمرها عقود

كان اليهود جزءًا أصيلًا من تاريخ المجتمع المغربي لقرون طويلة، وتركوا بصمات واضحة في المدن المغربية الكبرى وفي الحياة الاقتصادية والثقافية والاجتماعية.

وبعد قيام دولة إسرائيل سنة 1948، بدأت موجات هجرة واسعة لليهود المغاربة نحو إسرائيل. ووفق بيانات وزارة الهجرة والاندماج الإسرائيلية، وصل إلى إسرائيل نحو ربع مليون يهودي من أصل مغربي منذ قيام الدولة، وكانت الهجرة المغربية واحدة من أكبر موجات الهجرة اليهودية القادمة من بلد مسلم.

وكانت قضية الهجرة في بعض المراحل شديدة الحساسية، خصوصًا خلال السنوات الأولى بعد استقلال المغرب. ومن أشهر الأحداث المرتبطة بهذه المرحلة مأساة سفينة "إيجوز" التي غرقت سنة 1961 أثناء نقل يهود مغاربة إلى إسرائيل، في حادثة أصبحت جزءًا من الذاكرة الجماعية لليهود المغاربة.

وفي يونيو 2026، وافق الكنيست الإسرائيلي في قراءة أولى على مشروع قانون يقترح تخصيص يوم سنوي لإحياء ذكرى هجرة يهود المغرب وتراثهم وتخليد ذكرى الذين قضوا في الطريق إلى إسرائيل، وهو ما يعكس استمرار حضور هذه الذاكرة في إسرائيل حتى اليوم.

المغاربة الإسرائيليون... جسر بشري بين البلدين

مع مرور العقود، لم يعد اليهود المغاربة في إسرائيل مجرد جالية مهاجرة، بل أصبحوا جزءًا أساسيًا من المجتمع الإسرائيلي، مع احتفاظ كثير منهم بعادات وتقاليد وموسيقى ومأكولات وطقوس مرتبطة بالمغرب.

وتشير تقديرات إسرائيلية ودراسات متخصصة إلى وجود مئات الآلاف من الإسرائيليين من أصول مغربية، بينما تذكر تقديرات مغربية نقلتها دراسات إسرائيلية أن عدد الإسرائيليين ذوي الأصل المغربي يصل إلى نحو 800 ألف شخص.

وهنا تظهر خصوصية العلاقة: فالمغرب لا ينظر إلى هؤلاء فقط باعتبارهم مواطنين إسرائيليين من أصل مغربي، بل إن الخطاب الرسمي المغربي لطالما تعامل مع الجالية المغربية في الخارج باعتبارها امتدادًا للروابط الوطنية والثقافية للمملكة.

وقد ساهم ذلك في جعل اليهود المغاربة في إسرائيل عنصرًا مهمًا في التقارب بين الرباط وتل أبيب، خصوصًا أن العديد منهم حافظوا على ارتباط عاطفي وثقافي بالمغرب، ويزور عدد منهم المملكة للمشاركة في المناسبات الدينية والثقافية وزيارة المقابر والأضرحة اليهودية.

العلاقات السرية والاتصالات قبل التطبيع

على خلاف الاعتقاد بأن العلاقات المغربية الإسرائيلية بدأت سنة 2020، فإن الاتصالات بين الطرفين تعود إلى فترة أقدم بكثير.

فقد شهدت العقود السابقة اتصالات سياسية وأمنية خلف الكواليس، كما جرى تعاون في ملفات مختلفة. وفي سنة 1994، وبعد مؤتمر الدار البيضاء الاقتصادي، افتتح المغرب وإسرائيل مكاتب اتصال متبادلة، لكن هذه المرحلة لم تستمر طويلًا، إذ أدت الانتفاضة الفلسطينية الثانية إلى قطع العلاقات الرسمية.

كما عرفت العلاقة اتصالات سياسية بارزة في عهد الملك الحسن الثاني، وتُذكر زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي شمعون بيريز إلى المغرب سنة 1986 باعتبارها إحدى المحطات المهمة في تاريخ الاتصالات المغربية الإسرائيلية.

وبالتالي فإن اتفاق 2020 لم ينشئ علاقة من الصفر، وإنما أعاد إحياء علاقة كانت موجودة بأشكال مختلفة، وإن كانت بعيدة عن الأضواء.

لماذا أعاد المغرب علاقاته مع إسرائيل سنة 2020؟

في ديسمبر 2020، أعلن المغرب وإسرائيل استئناف العلاقات الدبلوماسية ضمن اتفاق ثلاثي جمع المغرب والولايات المتحدة وإسرائيل.

وكان القرار جزءًا من سلسلة اتفاقات التطبيع التي عُرفت باسم اتفاقات أبراهام، والتي شملت أيضًا الإمارات والبحرين، بينما كانت الحالة المغربية مرتبطة كذلك بملف بالغ الأهمية بالنسبة إلى الرباط، وهو قضية الصحراء المغربية.

وفي إطار الاتفاق، أعلنت الإدارة الأمريكية آنذاك اعترافها بسيادة المغرب على الصحراء، بينما أعلن المغرب استئناف العلاقات الرسمية مع إسرائيل.

وفي يوليو 2023، أعلنت إسرائيل رسميًا اعترافها بسيادة المغرب على الصحراء، وفق ما أورده مكتب الاتصال الإسرائيلي في الرباط.

ومن هنا يمكن فهم أحد أهم أبعاد السياسة المغربية: العلاقة مع إسرائيل لم تكن منفصلة عن الحسابات الدبلوماسية المغربية المتعلقة بالصحراء والعلاقة مع واشنطن.

من الدبلوماسية إلى التعاون الاقتصادي

بعد استئناف العلاقات، تطورت الاتصالات بين البلدين في مجالات متعددة، من السياحة والتجارة إلى التكنولوجيا والزراعة والأمن والدفاع.

وتظهر بيانات التجارة الإسرائيلية نموًا واضحًا في تجارة السلع بين البلدين خلال السنوات التالية للتطبيع؛ فقد ارتفع إجمالي تجارة السلع من نحو 22.6 مليون دولار سنة 2020 إلى 109.9 مليون دولار سنة 2024، وفق بيانات مكتب الإحصاء المركزي الإسرائيلي، مع ملاحظة أن هذه الأرقام لا تشمل الخدمات والاستثمارات وبعض المعاملات الدفاعية.

كما استفادت العلاقة من الروابط السياحية والعائلية، خصوصًا مع وجود أعداد كبيرة من الإسرائيليين من أصل مغربي، وهو ما جعل المغرب وجهة ذات أهمية خاصة بالنسبة إليهم.

التعاون العسكري والأمني... الجانب الأكثر حساسية

من أكثر الملفات إثارة للجدل في العلاقة المغربية الإسرائيلية التعاون العسكري والأمني.

فبعد التطبيع، وقعت الرباط وتل أبيب اتفاقيات للتعاون الدفاعي، وبدأت العلاقات الأمنية والعسكرية تتطور بصورة أكثر علنية مقارنة بالماضي.

وتعتبر هذه النقطة من أكثر جوانب العلاقة حساسية داخل المغرب، لأنها تأتي في وقت يستمر فيه الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، خصوصًا منذ اندلاع الحرب في غزة في أكتوبر 2023.

وهنا يظهر التناقض السياسي الذي يحيط بالعلاقة: المغرب يحافظ على علاقاته الرسمية مع إسرائيل، وفي الوقت نفسه يعلن باستمرار دعمه للحقوق الفلسطينية وحل الدولتين، ويواصل تقديم المساعدات الإنسانية للفلسطينيين.

غزة غيّرت صورة العلاقة داخل المغرب

إذا كان التطبيع سنة 2020 قد فتح مرحلة جديدة في العلاقات المغربية الإسرائيلية، فإن الحرب في غزة أعادت طرح هذه العلاقة أمام الرأي العام المغربي بصورة أكثر حدة.

فالموقف الرسمي المغربي يختلف عن الموقف الشعبي لدى قطاعات واسعة من المجتمع. وتشير تقارير ودراسات حديثة إلى أن التطبيع أصبح موضوعًا شديد الحساسية في المغرب، وأن الحرب في غزة ساهمت في زيادة الانتقادات الشعبية للعلاقات مع إسرائيل. وفي دراسة للباروميتر العربي المشار إليها في تقارير حديثة، قال 13% فقط من المغاربة الذين شملهم الاستطلاع إنهم يؤيدون التطبيع.

وهكذا أصبح هناك فارق واضح بين العلاقات الرسمية للدولة وبين مواقف جزء كبير من المجتمع المغربي.

هل المغاربة الإسرائيليون يمثلون إسرائيل أم المغرب؟

هذه واحدة من أكثر النقاط تعقيدًا في الموضوع.

فالإسرائيلي من أصل مغربي يحمل هوية مركبة: فهو مواطن إسرائيلي من الناحية القانونية والسياسية، لكنه قد يحتفظ في الوقت نفسه بذاكرة عائلية وثقافية مغربية قوية.

ولهذا كثيرًا ما جرى تقديم اليهود المغاربة في إسرائيل باعتبارهم جسرًا ثقافيًا بين المجتمعين.

لكن من المهم عدم الخلط بين الأصل المغربي والموقف السياسي.

فليس كل إسرائيلي من أصل مغربي يتبنى موقفًا واحدًا من السياسة الإسرائيلية أو من المغرب أو من القضية الفلسطينية. وكما هو الحال مع أي جالية كبيرة، توجد داخلها اتجاهات سياسية وفكرية مختلفة.

المغرب والذاكرة اليهودية

في السنوات الأخيرة، أولى المغرب اهتمامًا متزايدًا بترميم وحماية التراث اليهودي المغربي، بما في ذلك المعابد والمقابر والمواقع التاريخية.

وهذا جزء من تصور مغربي للهوية الوطنية يقوم على اعتبار المكوّن العبري جزءًا من التاريخ المغربي، وهو أمر انعكس أيضًا في دستور 2011 الذي أشار إلى روافد متعددة للهوية المغربية، بينها الرافد العبري.

ومن هذه الزاوية، فإن المغرب يميز بين اليهودية كجزء من تاريخه وتراثه وبين الصراع السياسي المرتبط بالحكومة الإسرائيلية وسياساتها.

وهذا التفريق مهم جدًا لفهم الموقف المغربي.

علاقة بين الدولة والمجتمع والتاريخ

العلاقة بين المغرب وإسرائيل اليوم ليست علاقة بسيطة يمكن اختزالها في كلمة "تطبيع".

إنها شبكة معقدة من المصالح والروابط:

  • علاقة دبلوماسية رسمية أعيد إطلاقها سنة 2020.
  • روابط تاريخية تعود إلى قرون من الوجود اليهودي في المغرب.
  • جالية إسرائيلية كبيرة من أصول مغربية.
  • مصالح اقتصادية وتجارية متنامية.
  • تعاون أمني وعسكري.
  • تنسيق سياسي في بعض الملفات.
  • موقف مغربي معلن داعم للقضية الفلسطينية.
  • رفض شعبي واسع أو متزايد للتطبيع لدى قطاعات من المجتمع.

ولهذا فإن العلاقة لا يمكن فهمها من زاوية واحدة فقط.

المغرب بين إسرائيل وفلسطين... معادلة دقيقة

يواجه المغرب في هذا الملف معادلة دبلوماسية شديدة التعقيد.

فمن جهة، يريد الحفاظ على علاقاته مع إسرائيل والولايات المتحدة، والاستفادة من التعاون الاقتصادي والتكنولوجي والأمني، وتعزيز موقفه في قضية الصحراء.

ومن جهة أخرى، يحتفظ المغرب بموقف رسمي داعم للقضية الفلسطينية، ويرأس الملك محمد السادس لجنة القدس التابعة لمنظمة التعاون الإسلامي، كما يؤكد الخطاب الرسمي المغربي باستمرار ضرورة الوصول إلى حل سياسي يضمن قيام دولة فلسطينية.

وهذا يجعل السياسة المغربية قائمة على محاولة الفصل بين العلاقة مع الدولة الإسرائيلية وبين الموقف من القضية الفلسطينية.

إلى أين تتجه العلاقات؟

بعد مرور سنوات على استئناف العلاقات، يبدو أن المغرب لا يتعامل مع العلاقة مع إسرائيل باعتبارها ملفًا مؤقتًا، بل باعتبارها إحدى أوراق سياسته الخارجية.

لكن استمرار الحرب والتوتر في الشرق الأوسط جعل هامش المناورة أكثر صعوبة.

فكلما تصاعد الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، ازدادت الضغوط الداخلية على الحكومة المغربية بشأن التطبيع، بينما تظل الحسابات الاستراتيجية والاقتصادية والدبلوماسية حاضرة.

وفي المقابل، يستمر حضور اليهود المغاربة في إسرائيل كعنصر مختلف عن الحسابات السياسية اليومية؛ فهؤلاء يمثلون ذاكرة بشرية وثقافية تمتد بين المغرب وإسرائيل، وقد أصبح تراثهم نفسه موضوعًا للاحتفاء الرسمي في إسرائيل، كما يظهر من مشروع القانون الذي أقره الكنيست في قراءة أولى سنة 2026 لتخصيص يوم لإحياء ذكرى هجرة يهود المغرب وتراثهم.

الخلاصة

العلاقة بين المغرب وإسرائيل ليست مجرد علاقة بين حكومتين، بل هي نتاج تاريخ طويل تتداخل فيه السياسة والاقتصاد والأمن والهجرة والهوية والذاكرة.

أما المغاربة الإسرائيليون، فيشكلون إحدى أكثر حلقات هذه العلاقة حساسية وتعقيدًا؛ فهم من جهة جزء من المجتمع الإسرائيلي، ومن جهة أخرى يحمل كثير منهم جذورًا مغربية عميقة، وهو ما جعلهم عبر العقود جسرًا بشريًا وثقافيًا بين البلدين.

لكن هذا الجسر لا يلغي الخلافات السياسية، ولا يجعل مواقف جميع المغاربة الإسرائيليين متطابقة، كما أن وجود علاقات رسمية بين الرباط وتل أبيب لا يعني بالضرورة وجود توافق شعبي مغربي حولها.

وفي النهاية، تبقى المعادلة المغربية واضحة في تعقيدها: علاقات رسمية ومصالح استراتيجية مع إسرائيل، وارتباط تاريخي وثقافي باليهود المغاربة، وفي الوقت نفسه استمرار التأكيد الرسمي على الحقوق الفلسطينية، مقابل نقاش شعبي داخلي واسع حول مستقبل التطبيع.

وهنا تحديدًا تكمن خصوصية النموذج المغربي: **علاقة بين دولتين، لكنها في العمق علاقة تتقاطع فيها ذاكرة شعب، وهوية وطنية، وجالية واسعة، وحسابات جيوسياسية، وقضية فلسطينية ما تزال حاضرة بقوة.**

عن الكاتب

مفهوم مفهوم منصة معرفية تهدف إلى تبسيط الأفكار العميقة، وتنمية الوعي والتفكير النقدي، عبر مقالات رصينة تُقارب قضايا الفكر، الثقافة، والإنسان بلغة واضحة ورؤية متزنة، بعيدًا عن السطحية والتلقين.
';

اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

المشاركات الشائعة

جميع الحقوق محفوظة

مفهوم