مُقَدِّمَةُ كِتَابِ «الزَّوْجَةِ النَّرْجِسِيَّةِ»
فِي الْحَيَاةِ الزَّوْجِيَّةِ، لَا تَكُونُ الْخِلَافَاتُ دَائِمًا نَتِيجَةَ اخْتِلَافٍ فِي الطِّبَاعِ أَوْ سُوءِ تَفَاهُمٍ عَابِرٍ؛ فَقَدْ يَجِدُ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ نَفْسَهُ أَمَامَ نَمَطٍ مُتَكَرِّرٍ مِنَ السُّلُوكِ يَجْعَلُهُ يَشْعُرُ بِأَنَّهُ غَيْرُ مُقَدَّرٍ، أَوْ مُهْمَلٌ، أَوْ دَائِمًا مُخْطِئٌ، مَهْمَا حَاوَلَ الْإِصْلَاحَ وَالتَّقْرِيبَ. وَمِنْ بَيْنِ الْأَنْمَاطِ النَّفْسِيَّةِ الَّتِي قَدْ تُؤَثِّرُ بِصُورَةٍ عَمِيقَةٍ فِي الْعَلَاقَاتِ الزَّوْجِيَّةِ مَا يُعْرَفُ بِـالنَّرْجِسِيَّةِ.
وَالنَّرْجِسِيَّةُ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ حُبٍّ لِلذَّاتِ أَوْ رَغْبَةٍ فِي الظُّهُورِ، فَهَذِهِ الصِّفَاتُ قَدْ تُوجَدُ بِدَرَجَاتٍ طَبِيعِيَّةٍ لَدَى كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ. وَإِنَّمَا تُصْبِحُ الْمَسْأَلَةُ أَكْثَرَ تَعْقِيدًا عِنْدَمَا يَتَحَوَّلُ الشُّعُورُ الْمُفْرِطُ بِالْأَهَمِّيَّةِ، وَالْحَاجَةُ الْمُسْتَمِرَّةُ إِلَى الْإِعْجَابِ، إِلَى سُلُوكٍ مُتَكَرِّرٍ يُؤَثِّرُ فِي الْآخَرِينَ، وَيَجْعَلُ الْعَلَاقَةَ قَائِمَةً عَلَى السَّيْطَرَةِ، أَوِ التَّقْلِيلِ مِنَ الشَّرِيكِ، أَوْ غِيَابِ التَّعَاطُفِ، أَوِ التَّلَاعُبِ الْعَاطِفِيِّ.
وَقَدْ تَتَجَلَّى هَذِهِ السُّلُوكِيَّاتُ دَاخِلَ الْحَيَاةِ الزَّوْجِيَّةِ فِي صُوَرٍ مُتَعَدِّدَةٍ: الِانْتِقَادُ الْمُسْتَمِرُّ، وَقَلْبُ الْحَقَائِقِ، وَرَفْضُ الِاعْتِذَارِ، وَتَحْمِيلُ الطَّرَفِ الْآخَرِ مَسْؤُولِيَّةَ الْمُشْكِلَاتِ، وَالْغَيْرَةُ، وَالْحَاجَةُ الدَّائِمَةُ إِلَى الِاهْتِمَامِ، وَالتَّقْلِيلُ مِنْ إِنْجَازَاتِ الزَّوْجِ، أَوِ اسْتِخْدَامُ الصَّمْتِ وَالْغَضَبِ وَالتَّهْدِيدِ بِالِانْفِصَالِ لِلضَّغْطِ عَلَيْهِ. وَمَعَ ذَلِكَ، فَمِنَ الْمُهِمِّ التَّأْكِيدُ مُنْذُ الْبِدَايَةِ أَنَّ تَشْخِيصَ اضْطِرَابِ الشَّخْصِيَّةِ النَّرْجِسِيَّةِ مَسْأَلَةٌ طِبِّيَّةٌ وَنَفْسِيَّةٌ مُتَخَصِّصَةٌ، وَلَا يَجُوزُ إِطْلَاقُ هَذَا الْوَصْفِ عَلَى أَيِّ امْرَأَةٍ لِمُجَرَّدِ أَنَّهَا صَعْبَةُ الطِّبَاعِ أَوْ كَثِيرَةُ الْخِلَافِ.
يَأْتِي هَذَا الْكِتَابُ لِيُقَدِّمَ لِلْقَارِئِ فَهْمًا مُبَسَّطًا وَمُنَظَّمًا لِمَفْهُومِ النَّرْجِسِيَّةِ، مَعَ التَّرْكِيزِ عَلَى صُورَتِهَا الْمُحْتَمَلَةِ دَاخِلَ الْعَلَاقَةِ الزَّوْجِيَّةِ، وَخَاصَّةً السُّلُوكِيَّاتِ الَّتِي قَدْ تَظْهَرُ لَدَى الزَّوْجَةِ ذَاتِ السِّمَاتِ النَّرْجِسِيَّةِ. وَالْغَايَةُ لَيْسَتْ مُهَاجَمَةَ الْمَرْأَةِ أَوْ إِصْدَارَ أَحْكَامٍ عَامَّةٍ عَلَى النِّسَاءِ، وَإِنَّمَا مُسَاعَدَةُ الْقَارِئِ عَلَى فَهْمِ بَعْضِ الْأَنْمَاطِ السُّلُوكِيَّةِ الَّتِي قَدْ تَكُونُ مُؤْذِيَةً لِلْعَلَاقَةِ، وَالتَّمْيِيزِ بَيْنَ الْخِلَافِ الزَّوْجِيِّ الطَّبِيعِيِّ وَبَيْنَ السُّلُوكِ الْمُتَكَرِّرِ الَّذِي يَحْتَاجُ إِلَى وَعْيٍ وَحُدُودٍ، وَرُبَّمَا إِلَى مُسَاعَدَةِ مُخْتَصٍّ.
وَسَنَتَنَاوَلُ فِي فُصُولِ الْكِتَابِ مَفْهُومَ النَّرْجِسِيَّةِ وَأَسْبَابَهَا وَخَصَائِصَهَا، ثُمَّ نَنْتَقِلُ إِلَى أَبْرَزِ التَّصَرُّفَاتِ الَّتِي قَدْ تَظْهَرُ فِي الْعَلَاقَةِ الزَّوْجِيَّةِ، وَكَيْفِيَّةِ التَّعَامُلِ مَعَهَا بِطَرِيقَةٍ أَكْثَرَ هُدُوءًا وَوَعْيًا، وَكَيْفَ يُحَافِظُ الزَّوْجُ عَلَى كَرَامَتِهِ وَحُدُودِهِ النَّفْسِيَّةِ دُونَ أَنْ يَتَحَوَّلَ هُوَ الْآخَرُ إِلَى طَرَفٍ مُؤْذٍ أَوِ انْتِقَامِيٍّ.
كَمَا سَنَتَوَقَّفُ عِنْدَ الْأَخْطَاءِ الشَّائِعَةِ فِي التَّعَامُلِ مَعَ الشَّخْصِ النَّرْجِسِيِّ، وَأَهَمِّيَّةِ عَدَمِ الدُّخُولِ فِي دَوَّامَةِ الصِّرَاعِ الْمُسْتَمِرِّ لِإِثْبَاتِ مَنْ هُوَ الْمُخْطِئُ، ثُمَّ نُنَاقِشُ مَتَى يُمْكِنُ إِصْلَاحُ الْعَلَاقَةِ بِالْحِوَارِ وَالْمُسَاعَدَةِ الْمُتَخَصِّصَةِ، وَمَتَى تُصْبِحُ حِمَايَةُ النَّفْسِ وَالْأَبْنَاءِ، وَوَضْعُ حُدُودٍ وَاضِحَةٍ، أَمْرًا ضَرُورِيًّا.
إِنَّ فَهْمَ النَّرْجِسِيَّةِ لَا يَعْنِي أَنْ نَحْكُمَ عَلَى الْآخَرِينَ، وَلَا يَعْنِي أَنَّ كُلَّ خِلَافٍ زَوْجِيٍّ دَلِيلٌ عَلَى وُجُودِ اضْطِرَابٍ نَفْسِيٍّ. بَلْ يَعْنِي أَنْ نَتَعَلَّمَ كَيْفَ نَقْرَأُ السُّلُوكَ، وَكَيْفَ نَحْمِي الْعَلَاقَاتِ مِنَ الْأَذَى، وَكَيْفَ نَتَعَامَلُ مَعَ الْمُشْكِلَاتِ بِعَقْلَانِيَّةٍ بَعِيدًا عَنِ التَّعْمِيمِ وَالِانْتِقَامِ.
هَذَا الْكِتَابُ دَعْوَةٌ إِلَى الْفَهْمِ قَبْلَ الْحُكْمِ، وَالْوَعْيِ قَبْلَ الْمُوَاجَهَةِ، وَالْحِكْمَةِ قَبْلَ اتِّخَاذِ الْقَرَارَاتِ الْمَصِيرِيَّةِ.

إرسال تعليق