الاختلاف لا يبيح القتل
التحريض على قتل المخالف في الدين أو الفكر أو القناعة جريمة شرعاً وقانوناً
من أخطر الظواهر التي تهدد أمن المجتمعات واستقرارها أن يتحول الاختلاف في الدين أو الفكر أو المذهب أو الرأي أو القناعة إلى مبرر للتحريض على قتل الإنسان أو الاعتداء عليه. فالاختلاف سنة من سنن الحياة، أما تحويله إلى كراهية وعنف وسفك للدماء فهو خروج عن مقتضيات الشرع والقانون والأخلاق الإنسانية.
إن الإنسان لا يفقد حقه في الحياة لمجرد أنه يختلف مع غيره في اعتقاد أو رأي أو موقف فكري. وليس من حق أي فرد أن ينصب نفسه قاضياً وجلاداً، فيصدر حكماً على الآخرين بالموت، ثم يحرض على تنفيذه أو يساعد على تنفيذه.
أولاً: حرمة الدماء في الشريعة الإسلامية
جاء الإسلام بتعظيم حرمة النفس الإنسانية، قال الله تعالى:
﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾
[الإسراء: 33].
فالآية تقرر أصلاً عظيماً: أن النفس محرمة، وأن استباحتها ليست متروكة للأهواء والانفعالات الشخصية، وإنما لا تكون إلا في إطار الحق الذي يحدده الشرع والجهة المختصة.
وقال سبحانه:
﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾
[المائدة: 32].
وهذه الآية تبين عظم جريمة قتل النفس بغير حق، وتجعل الاعتداء على حياة الإنسان من أعظم الجرائم.
ثانياً: الاختلاف لا يعطي أحداً حق الاعتداء
القرآن الكريم يقرر مبدأ واضحاً في التعامل مع المخالف، قال تعالى:
﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾
[البقرة: 256].
وقال سبحانه:
﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾
[الكافرون: 6].
كما أمر الله تعالى بالحوار بالتي هي أحسن:
﴿وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾
[النحل: 125].
فالرد على الفكرة يكون بالفكرة، وعلى الحجة بالحجة، وعلى الخطأ بالبيان والنصح، وليس بالسلاح أو التهديد أو التحريض على القتل.
ومن الخطأ الخطير أن يحول الإنسان خلافه مع شخص في العقيدة أو المذهب أو الفكر أو السياسة إلى مبرر لاستباحة دمه.
ثالثاً: حتى عند وجود جريمة، لا يملك الأفراد تنفيذ العقوبة بأنفسهم
من القواعد المهمة أن إقامة العقوبات والأحكام القضائية ليست من اختصاص الأفراد والجماعات، وإنما هي من اختصاص السلطة القضائية والجهات التي يحددها القانون.
فلا يجوز لشخص أن يقول: "أنا أرى أن فلاناً يستحق القتل، ولذلك سأقتله"، أو أن يدعو الآخرين إلى قتله.
وإذا كان هناك فعل مجرّم، فالطريق هو التبليغ، والتحقيق، والمحاكمة، وإصدار الحكم من الجهة المختصة، وليس الاقتصاص الفردي والفوضى.
وهذا المبدأ يحمي المجتمع من أن يتحول إلى غابة، يصبح فيها كل شخص قاضياً على الآخرين.
رابعاً: التحريض على القتل أخطر من مجرد الخلاف
قد يبدأ الأمر بكلمة أو منشور أو تسجيل صوتي أو تعليق على مواقع التواصل الاجتماعي، ثم يتحول إلى حملة كراهية، ثم إلى تهديد، ثم قد يصل إلى الاعتداء الجسدي أو القتل.
ولهذا يجب التعامل بجدية مع كل خطاب يحرض على العنف أو يهدد حياة الأشخاص بسبب معتقدهم أو رأيهم أو انتمائهم.
فحرية التعبير لا تعني حرية التحريض على قتل الآخرين.
والدستور المغربي نفسه يضمن حرية الفكر والرأي والتعبير، كما يقرر أن الحق في الحياة هو أول الحقوق لكل إنسان وأن القانون يحميه.
كما يؤكد الدستور حق كل فرد في سلامة شخصه، ويحظر المس بالسلامة الجسدية أو المعنوية لأي شخص تحت أي ذريعة.
خامساً: القانون المغربي يجرّم التهديد والتحريض على الكراهية
من الناحية القانونية، لا يقف الأمر عند وقوع القتل بالفعل؛ فالقانون المغربي يجرّم كذلك صوراً من التهديد والتحريض التي قد تمس الأشخاص أو تخلق بيئة للعنف والكراهية.
فالفصل 429 من القانون الجنائي يعاقب على تهديدات الاعتداء على الأشخاص أو الأموال في الحالات التي حددها القانون. كما يتضمن القانون مقتضيات تعاقب على التحريض على التمييز أو الكراهية بين الأشخاص عندما يتم بصورة علنية، بما في ذلك الوسائل الإلكترونية.
وهذا مهم جداً في عصر وسائل التواصل الاجتماعي؛ لأن المنشور أو الفيديو أو التسجيل الذي يدعو إلى الاعتداء على شخص أو فئة بسبب قناعاتهم قد لا يبقى مجرد "رأي"، وإنما يمكن أن يتحول إلى فعل له آثار قانونية عندما تتوافر عناصر الجريمة التي يحددها القانون.
سادساً: لا مكان لثقافة "اقتلوه لأنه يخالفني"
إن أخطر ما يمكن أن يصل إليه المجتمع هو أن تصبح العبارة التالية مقبولة:
"اقتلوا فلاناً لأنه يخالفنا."
فهذه ليست شجاعة، وليست غيرة على الدين، وليست دفاعاً عن الحق، وإنما هي دعوة إلى الفوضى وسفك الدماء.
وإذا كان كل إنسان سيقتل من يخالفه، فمن سيبقى؟
سيقتل المتدينُ من يخالفه في الدين، ويقتل صاحب المذهب مخالفه في المذهب، ويقتل السياسي خصمه، ويقتل صاحب الفكر خصمه الفكري، وينتهي المجتمع إلى دائرة لا تنتهي من الدماء.
ولهذا فإن حماية حياة المخالف ليست دفاعاً عن الخطأ، وإنما دفاع عن مبدأ العدل ومنع الفوضى.
سابعاً: الإسلام لا يعلّم أتباعه أن يكونوا دعاة إلى الفوضى
قال الله تعالى:
﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾
[المائدة: 8].
فالقرآن ينهى حتى عن أن يدفع البغض والعداوة الإنسان إلى ترك العدل.
وهذا مبدأ بالغ الأهمية:
قد تختلف مع شخص، وقد ترفض أفكاره، وقد ترى أن كلامه خطأ أو ضلالاً أو انحرافاً، لكن ذلك لا يمنحك رخصة للاعتداء عليه أو تهديده أو التحريض على قتله.
ثامناً: الكلمة مسؤولية
في زمن وسائل التواصل الاجتماعي، لم تعد الكلمة تبقى بين شخصين؛ فقد تصل في دقائق إلى آلاف أو ملايين الأشخاص.
ولهذا فإن من يكتب:
"اقتلوه"، "أهدروا دمه"، "من وجده فليقتله"، "اضربوه"، "اعتدوا عليه"
لا يمكنه أن يتعامل مع كلامه وكأنه مجرد رأي عابر، خصوصاً إذا كان يعلم أن كلامه قد يدفع آخرين إلى ارتكاب العنف.
فالتحريض على العنف قد يكون مقدمة لجريمة أكبر، ولذلك يجب على المجتمع والقانون التعامل معه بجدية.
الخلاصة
إن الاختلاف في الدين أو الفكر أو المذهب أو السياسة أو القناعة ليس مبرراً لإهدار الدماء.
ناقش، حاور، انصح، انقد، ارفض الفكرة، ورد عليها بالحجة؛ لكن لا تجعل الاختلاف سبباً للقتل.
ومن كانت لديه شكوى أو ادعاء بوقوع جريمة، فليتوجه إلى القضاء والجهات المختصة، لا إلى الشارع ولا إلى وسائل التواصل الاجتماعي ولا إلى العنف الفردي.
فالحق لا يحتاج إلى فوضى، والعدل لا يحتاج إلى جلادين من خارج القانون.
إن حماية حياة الإنسان، ومنع التحريض على قتله، ليست مجاملة للمخالف، وإنما هي حماية للمجتمع كله من منطق الفوضى والانتقام.
فاليوم قد يكون المخالف هو الضحية، وغداً قد يكون الضحية أنت.
ولهذا يبقى المبدأ الذي يجب أن يجتمع عليه العقل والشرع والقانون:
اختلف معي كما تشاء، ناقشني كما تشاء، انتقدني كما تشاء، ولكن لا تجعل اختلافنا سبباً في إهدار دم الإنسان.


إرسال تعليق