مفهوم مفهوم

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

أُمِّيَّةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دلالة قرآنية ومعجزة نبوية وحجة على صدق الرسالة

 أُمِّيَّةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
دلالة قرآنية ومعجزة نبوية وحجة على صدق الرسالة



مقدمة
دلالة قرآنية ومعجزة نبوية وحجة على صدق الرسالة
مقدمة


من الخصائص العظيمة التي اختصَّ الله تعالى بها خاتم أنبيائه ورسله، محمدًا صلى الله عليه وسلم، أن وصفه في كتابه العزيز بصفة «الأُمِّي»، فقال سبحانه:
«﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ﴾
[الأعراف: 157].»
ولم تَرِد هذه الصفة في القرآن على سبيل الانتقاص أو الذم، وإنما جاءت في سياق إثبات النبوة وبيان خصوصية الرسالة المحمدية؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن قارئًا ولا كاتبًا، ومع ذلك جاء بأعظم كتاب عرفته البشرية، وبشريعة متكاملة شملت العقيدة والعبادات والمعاملات والأخلاق والسياسة والقضاء والأسرة والمجتمع، وتحدى العرب وغيرهم أن يأتوا بمثله.
وهنا تظهر المفارقة العظيمة:
رجل لم يتعلم القراءة والكتابة على النحو المعروف عند الناس، يأتي بكتاب أعجز أهل الفصاحة والبلاغة، ويخبر عن أخبار الأمم السابقة، ويقرر أصول العقائد والشرائع، ويهدي البشرية إلى نظام متكامل للحياة.
ومن هنا كانت أمية النبي صلى الله عليه وسلم من أقوى وجوه الدلالة على أن القرآن وحي من عند الله، وليس نتاج تعلم بشري أو دراسة للكتب السابقة.
---
أولًا: ما معنى «الأُمِّي»؟
الأُمِّي في اللغة منسوب إلى «الأُم»، وقيل: هو الذي بقي على حالته التي ولدته أمه عليها، وقيل: هو الذي لا يقرأ ولا يكتب.
وقد ذكر أهل التفسير عدة معانٍ في لفظ «الأمي»، ومن أشهرها أنه الذي لا يقرأ ولا يكتب، وهو المعنى المتعلق بصفة النبي صلى الله عليه وسلم في هذا المقام.
وقد نقل البغوي في تفسير قوله تعالى ﴿النَّبِيَّ الأُمِّيَّ﴾ عن ابن عباس رضي الله عنهما أن المراد أنه كان لا يكتب ولا يقرأ، كما ذكر أقوالًا أخرى في اشتقاق اللفظ.
لكن من المهم جدًا أن ننتبه إلى أمر جوهري:
الأمية لا تعني الجهل
فكون الإنسان أميًا بمعنى أنه لا يقرأ ولا يكتب لا يعني أنه قليل الفهم أو ضعيف العقل أو ناقص العلم.
وقد يكون الإنسان متعلمًا بوسائل أخرى، أو شديد الذكاء والفطنة، أو صاحب معرفة واسعة بالحياة، مع كونه لا يحسن القراءة والكتابة.
أما النبي صلى الله عليه وسلم فليس مجرد رجل أمي، بل هو رسول الله الذي علَّمه الله وأوحى إليه.
ولهذا ينبغي ألا تُفهم أمية النبي ﷺ بمعنى الجهل، فهذا فهم باطل؛ لأن الله تعالى يقول:
﴿وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾
[النساء: 113].
فالفرق واضح بين التعلم البشري بالقراءة والدراسة وبين العلم الذي يمنحه الله لنبيه عن طريق الوحي.
---
ثانيًا: شهادة القرآن: «النبي الأمي»
أوضح القرآن الكريم هذه الصفة صراحة فقال:
«﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ﴾
[الأعراف: 157].»
والآية ذات دلالة بالغة؛ لأنها جمعت بين عدة حقائق:
1. وصف محمد ﷺ بأنه الرسول.
2. وصفه بأنه النبي.
3. وصفه بأنه الأمي.
4. الإخبار بأن صفته كانت مذكورة عند أهل الكتاب.
5. بيان أن رسالته جاءت بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
6. وأنه يحل الطيبات ويحرم الخبائث.
7. وأنه يرفع عن الناس بعض الأصر والأغلال التي كانت عليهم.
وهذا يعني أن «الأمي» هنا ليس وصفًا عابرًا، وإنما جزء من الهوية النبوية التي ذكرها القرآن في معرض التعريف برسول الله ﷺ.
---
ثالثًا: أمية النبي ﷺ في ضوء القرآن
من أقوى الأدلة على أمية النبي صلى الله عليه وسلم قوله تعالى:
«﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾
[العنكبوت: 48].»
وهذه الآية من أوضح الآيات في الباب.
فالله تعالى يخاطب نبيه صلى الله عليه وسلم ويقرر أنه قبل نزول القرآن لم يكن يتلو كتابًا ولم يكن يخطه بيمينه.
ثم يأتي التعليل:
«﴿إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾»
أي لو كان النبي ﷺ قارئًا كاتبًا، لكان لأهل الباطل مجال أكبر لإثارة الشبهة والقول إن القرآن مأخوذ من كتب سابقة.
لكن الله قطع هذا الطريق من أساسه.
فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن معروفًا عنه أنه درس الكتب السماوية أو قرأ كتب الأمم السابقة، ثم جاء بعد ذلك بكتاب يزعم أنه وحي.
بل كان أميًا، ثم جاءه الوحي.
وهنا تتحول الأمية من مجرد صفة شخصية إلى دليل من أدلة النبوة.
---
رابعًا: لماذا كانت أمية النبي ﷺ دليلًا على صدق القرآن؟
لو كان النبي صلى الله عليه وسلم معروفًا بالقراءة والكتابة والتعلم من كتب أهل الكتاب، لكان بإمكان المشككين أن يقولوا:
إن محمدًا تعلم هذه الأخبار من الكتب السابقة ثم أعاد صياغتها.
لكن القرآن أغلق هذا الباب.
قال تعالى:
«﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾
[العنكبوت: 48].»
فإذا كان النبي ﷺ لم يكن يقرأ الكتب ولم يكن يكتبها، ثم جاء بالقرآن الذي يذكر أخبار الأنبياء والأمم السابقة، ويصحح ما وقع فيه الناس من التحريف والخطأ، ويقدم تشريعًا متكاملًا؛ فإن التفسير الأقوى والأكثر اتساقًا مع هذه المعطيات هو أن مصدر هذا القرآن الوحي الإلهي.
وهذه هي الحجة التي يقدمها القرآن نفسه.
---
خامسًا: قوله تعالى «الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ»
من اللافت أن القرآن لم يقل فقط:
«النبي الأمي»
بل قال:
﴿الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ﴾.
وهذا الجمع بين الأوصاف له دلالة عظيمة.
فـ«النبي» هو الذي أوحى الله إليه، و«الرسول» هو الذي أرسله الله إلى قومه برسالة، و«الأمي» وصف لحاله من جهة عدم القراءة والكتابة.
وبذلك يصبح المعنى:
هذا الرسول الذي أرسله الله، وهذا النبي الذي أوحى إليه، لم يتلقَّ علمه عن طريق قراءة الكتب البشرية، وإنما تلقاه عن طريق الوحي.
وهنا تظهر عظمة المعجزة.
---
سادسًا: أمية النبي ﷺ ليست نقصًا، وإنما كمال في مقام الاحتجاج
من الخطأ أن نقيس الأنبياء بمقاييس البشر وحدها.
فالإنسان العادي إذا أراد أن يؤلف كتابًا في التاريخ أو التشريع أو الأخلاق فإنه يحتاج إلى القراءة والدراسة والبحث.
أما النبي صلى الله عليه وسلم فقد جاء بالقرآن دون أن يكون قد درس الكتب السابقة، ثم أخبر عن الأمم الماضية، وعن الأنبياء، وعن اليوم الآخر، وعن أحوال الإنسان، وعن الشرائع والأخلاق، وأقام مجتمعًا ودولة وشريعة.
قال تعالى:
«﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى ۝ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾
[النجم: 3-4].»
فالرسالة ليست ثمرة عبقرية بشرية مجردة، وإنما مصدرها الوحي.
ولهذا فإن أمية النبي ﷺ لا ينبغي أن تُعرض بطريقة توحي بأنها عجز، وإنما تعرض باعتبارها قرينة قوية على أن القرآن ليس من تأليف النبي نفسه.
---
سابعًا: «الذي يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل»
هذه الجملة من أعظم ما في الآية:
«﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ﴾
[الأعراف: 157].»
فالقرآن يخبر بأن أهل الكتاب كانوا يجدون صفة هذا النبي في كتبهم.
وليس المقصود بالضرورة أن كل ما كان في كتب أهل الكتاب في زمن النبي ﷺ بقي محفوظًا على الصورة الأولى، وإنما المقصود أن أصل البشارة والصفات المتعلقة بالنبي المنتظر كانت موجودة في كتبهم، وأن أهل العلم منهم كان بإمكانهم التعرف على أوصافه.
وقد أورد المفسرون في هذا الموضع أخبارًا عن بعض أهل الكتاب ممن عرفوا صفات النبي ﷺ، ومن ذلك ما نقله البغوي عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما بشأن صفته في التوراة.
كما أشار ابن كثير عند تفسير آيات أخرى إلى أن علماء من بني إسرائيل كانوا يجدون ذكر النبي ﷺ وصفته في كتبهم، وأن من آمن منهم شهد بذلك.
---
ثامنًا: الأمية وعالمية الرسالة
من وجوه التأمل المهمة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يُبعث إلى أمة معينة من حيث الأصل، بل كانت رسالته رسالة عامة.
قال تعالى:
«﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾
[الأعراف: 158].»
وقال سبحانه:
«﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾
[سبأ: 28].»
وهنا تتضح خصوصية الرسالة المحمدية.
فالنبي ﷺ لم يكن فيلسوفًا يكتب كتابًا لنخبة من المتخصصين، ولم يكن مؤرخًا يجمع الأخبار من الكتب، بل كان رسولًا أميًا جاءه الوحي، ثم حمل هذا الوحي إلى الناس كافة.
ومن هنا نفهم أن الإسلام لا يقوم على عبقرية المؤلف، وإنما على سلطان الوحي.
---
تاسعًا: حديث «إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ»
جاء في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم:
«إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ، لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ».
والمقصود في الحديث بيان حال العرب في ذلك السياق من جهة عدم اعتمادهم على الكتابة والحساب في ضبط الأهلة والمواقيت، كما جاء في تتمة الحديث المتعلق بالشهر.
وهذا يؤكد أن لفظ «الأمية» في الاستعمال النبوي كان مرتبطًا بمعنى عدم الكتابة والحساب على الطريقة المعروفة عند أهل الكتاب وأهل العلم بالكتب والحساب.
لكن لا يجوز أن يفهم منه أن كل أمة النبي ﷺ أو كل عربي كان بالضرورة لا يعرف القراءة والكتابة؛ فالحديث يتحدث عن وصف غالب وسياق معين، وليس حكمًا عقليًا يستحيل معه وجود أفراد يعرفون الكتابة.
---
عاشرًا: هل كان النبي ﷺ يقرأ ويكتب بعد البعثة؟
هذه مسألة وقع فيها كلام بين أهل العلم، لكن المشهور عند جمهور العلماء أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يقرأ ولا يكتب، وأن أميته استمرت، وأن ما جاء به من القرآن إنما تلقاه بالوحي.
والقرآن نفسه يؤكد الأصل الذي قامت عليه الحجة، وهو قوله تعالى:
«﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾.»
وهذا هو المعنى الذي ينبغي أن يكون محور البحث.
أما بعض الروايات المتعلقة بأحداث الصلح والكتابة، فلا يصح أن تُجعل وحدها أساسًا لنقض الأصل القرآني، بل يجب جمع النصوص وفهمها في ضوء بعضها، مع التمييز بين الكتابة بالذات وبين أن يُكتب عنه أو بأمره أو أن يعرف بعض الكلمات على وجه خاص.
---
الحادي عشر: الأمية والمعجزة القرآنية
إذا أردنا أن نفهم أمية النبي ﷺ فهمًا عقديًا عميقًا، فعلينا أن نضعها إلى جانب معجزة القرآن.
فمحمد صلى الله عليه وسلم:
- لم يكن شاعرًا معروفًا.
- ولم يكن مؤلفًا لكتب.
- ولم يكن دارسًا للكتب السابقة.
- ولم يكن معروفًا بتلقي العلوم من أهل الكتاب.
- ولم يكن كاتبًا قبل بعثته.
ومع ذلك جاء بكتاب تحدى العرب في أوج فصاحتهم وبلاغتهم.
قال تعالى:
«﴿وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ﴾
[البقرة: 23].»
وقال سبحانه:
«﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾
[الإسراء: 88].»
فالمعجزة هنا ليست في أن النبي ﷺ كان أميًا فحسب، وإنما في أن أميًا جاء بكتاب عظيم أعجز أهل البيان والفصاحة، وبنى على أساسه أمة وحضارة وشريعة.
---
الثاني عشر: هل تعني أمية النبي ﷺ أنه لم يكن يعلم شيئًا؟
الجواب: لا.
وهذا من أهم المواضع التي ينبغي تحريرها.
الأمية شيء، والعلم شيء آخر.
فالإنسان قد لا يعرف القراءة والكتابة لكنه يعرف الزراعة والتجارة والسياسة والأنساب واللغة وغير ذلك من أمور الحياة.
والنبي ﷺ كان من أفصح العرب وأعقلهم وأحكمهم وأشدهم فطنة.
ثم فوق ذلك كله، اصطفاه الله بالنبوة والوحي.
قال سبحانه:
«﴿وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ﴾
[النساء: 113].»
فالعلم الذي عند النبي ﷺ بعد الوحي ليس ثمرة أمية أو قراءة بشرية، وإنما هو علم موحى به من الله تعالى.
---
الثالث عشر: الأمية وإقامة الحجة على المشركين
من أعظم وجوه الحكمة في أمية النبي ﷺ أن الله تعالى أقام بها الحجة على المكذبين.
فلو كان النبي ﷺ معروفًا بقراءة الكتب السابقة، لكان من السهل على خصومه أن يقولوا:
إنما جاء محمد بهذا الكلام لأنه قرأ كتب الأولين.
لكن الواقع الذي يعرفه قومه أنه لم يكن كذلك.
ولهذا كان القرآن نفسه يرد على هذه الشبهة.
قال تعالى:
«﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾.»
فلو كان الأمر قائمًا على تعلم بشري، لكان المبطلون يجدون مدخلًا للطعن.
أما وأن النبي ﷺ لم يكن قارئًا ولا كاتبًا، فإن دعوى أنه استمد القرآن من الكتب السابقة تصبح أضعف من جهة الواقع التاريخي والمنطق القرآني.
---
الرابع عشر: البعد الفقهي والعقدي للمسألة
ليست أمية النبي ﷺ مجرد مسألة تاريخية، وإنما لها أثر في باب الاعتقاد في النبوة والوحي.
ومن أهم القواعد التي ينبغي تقريرها:
1. الإيمان بأن محمدًا ﷺ رسول الله
فلا يصح إيمان المسلم إلا بالإيمان برسالته وتصديقه فيما جاء به.
2. الإيمان بأن القرآن وحي من الله
فليس القرآن كتابًا بشريًا، وإنما هو كلام الله المنزل على محمد ﷺ.
3. عدم وصف أمية النبي ﷺ بالجهل
لأن ذلك يتضمن إساءة إلى مقام النبوة، وإنما يقال:
كان ﷺ أميًا، أي لم يكن يقرأ ولا يكتب، وقد علّمه الله بالوحي ما لم يكن يعلم.
4. التفريق بين العلوم البشرية والوحي
فالأنبياء يتعلمون من الوحي ما لا يصل إليه الإنسان بمجرد التجربة أو الدراسة.
5. اعتبار أمية النبي ﷺ من دلائل النبوة
فاجتماع الأمية مع الإتيان بالقرآن المعجز والتشريع العظيم من وجوه الاستدلال على صدق الرسالة.
---
الخامس عشر: لماذا قال الله «النبي الأمي»؟
قد يسأل سائل:
لماذا ذكر الله هذه الصفة تحديدًا؟
والجواب أن القرآن يريد أن يلفت النظر إلى مصدر الرسالة.
فمحمد ﷺ لم يأت بالقرآن لأنه قرأ كتبًا فلسفية أو دينية، ولم يكن قد تلقى علومه من مدرسة بشرية.
بل كان عبدًا أميًا، ثم جاءه الوحي.
ومن هنا يمكن فهم قوله تعالى:
«﴿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الإِيمَانُ وَلَٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾
[الشورى: 52].»
فمصدر العلم الرسالي هو الوحي.
---
السادس عشر: بين الأمية والعبقرية
من الخطأ أيضًا أن يحاول بعض الناس تفسير القرآن بعبقرية النبي ﷺ وحدها.
ولا شك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أعظم الناس عقلًا وحكمة وفصاحة، ولكن هذا لا يفسر حقيقة الوحي.
فالعبقرية البشرية مهما بلغت لا تستطيع أن تجعل الإنسان رسولًا.
والفارق بين العبقرية والنبوة أن العبقري يعتمد على قدراته البشرية، أما النبي فيتلقى الوحي من الله.
ومن هنا فإن أمية النبي ﷺ تكتسب قيمة استدلالية كبيرة؛ لأنها تجعل القول بأن القرآن نتاج دراسة بشرية قولًا متناقضًا مع المعطيات الأساسية التي يقدمها القرآن والسيرة.
---
السابع عشر: أمية النبي ﷺ وبشارة الكتب السابقة
عندما يقول الله تعالى:
«﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ﴾»
فهو يربط بين أمرين:
النبي الأمي
و
البشارة به في الكتب السابقة.
وهذا الربط بالغ الدلالة.
فالنبي الذي لم يكن يقرأ كتب أهل الكتاب جاء مصدقًا لأصل الوحي السابق، ومبينًا لما وقع فيه الناس من التحريف، ومعلنًا امتداد سلسلة النبوة من إبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم إلى خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم.
ولهذا لم تكن الرسالة المحمدية قطيعة مع أصل النبوات، وإنما كانت خاتمة لها.
---
الثامن عشر: الرد على شبهة «الأمية تناقض العلم»
هذه الشبهة تقوم على الخلط بين مفهومين مختلفين:
القراءة والكتابة من جهة، والعلم والعقل من جهة أخرى.
فالقراءة وسيلة من وسائل تحصيل العلم، وليست العلم نفسه.
والله تعالى قادر على أن يعلم عبده بغير هذه الوسيلة.
والأنبياء أصلًا يتلقون الوحي بطريقة لا يحصل عليها عامة البشر.
ولهذا فإن القول:
«كيف يكون النبي عالمًا وهو أمي؟»
جوابه:
لأنه لم يكن مصدر علمه الكتب البشرية، وإنما كان مصدر علمه الوحي الإلهي فيما يتعلق بالرسالة.
وهذا هو جوهر القضية.
---
التاسع عشر: أمية النبي ﷺ ومعنى «علّمه شديد القوى»
قال تعالى:
«﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾
[النجم: 5].»
أي أن مصدر هذا العلم الرسالي ليس الكتب البشرية.
وهذا ينسجم تمامًا مع طبيعة النبوة.
فالنبي ﷺ لا يحتاج إلى أن يدرس الرسالة كما يدرسها طالب العلم، لأنه يتلقاها من الله عن طريق الوحي.
ومن هنا تتكامل الصورة:
الأمية + الوحي + القرآن + التحدي + التشريع = حجة متماسكة على صدق الرسالة.
---
العشرون: خلاصة المسألة
بعد جمع الأدلة القرآنية والحديثية والتحليلية يمكن الوصول إلى النتائج الآتية:
أولًا: وصف النبي صلى الله عليه وسلم بأنه «أمي» ثابت بنص القرآن.
ثانيًا: المراد بالأمية في هذا المقام عند جمهور أهل العلم أنه لم يكن يقرأ ولا يكتب.
ثالثًا: الأمية لا تعني الجهل، ولا نقص العقل، ولا ضعف الفهم.
رابعًا: القرآن صرح بأن النبي ﷺ لم يكن يتلو كتابًا قبل القرآن، ولم يكن يخطه بيمينه، كما قال تعالى:
«﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾.»
خامسًا: هذه الأمية كانت من وجوه إقامة الحجة على المكذبين؛ لأنهم لا يستطيعون تفسير القرآن بأنه نتيجة دراسة النبي ﷺ للكتب السابقة.
سادسًا: القرآن وصف النبي ﷺ بأنه «النبي الأمي» وربط ذلك بكون صفته موجودة في التوراة والإنجيل.
سابعًا: العلم الذي جاء به النبي ﷺ في أمر الدين والوحي ليس علمًا بشريًا مكتسبًا من قراءة الكتب، وإنما هو علم علّمه الله إياه.
ثامنًا: أمية النبي ﷺ لا تنتقص من مقامه، بل تزيد الحجة على صدق رسالته؛ لأن اجتماع عدم القراءة والكتابة مع الإتيان بهذا القرآن العظيم والتشريع المتكامل أمر لا يفسر بمجرد التعلم البشري.
---
خاتمة
إن أمية النبي محمد صلى الله عليه وسلم ليست صفحة هامشية في سيرته، ولا وصفًا يراد به الانتقاص منه، وإنما هي صفة قرآنية تحمل دلالة عقدية عظيمة.
فالله تعالى يقول:
«﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ﴾»
ثم يقول:
«﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ﴾.»
ثم يقول سبحانه:
«﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾.»
وهنا تكتمل الصورة:
نبي أمي، لم يكن قارئًا للكتب السابقة ولا كاتبًا لها، ثم جاء بكتاب أعجز أهل الفصاحة، وأخبر عن الأنبياء والأمم السابقة، ووضع شريعة متكاملة، ودعا إلى التوحيد والأخلاق والعدل، وبنى أمة امتدت رسالتها إلى العالم كله.
فالأمية في حقه صلى الله عليه وسلم ليست عنوانًا للجهل، وإنما شاهد من شواهد الوحي، ووجه من وجوه إقامة الحجة على صدق النبوة.
وإذا كان البشر يتعلمون من الكتب، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتلقى من رب الكتب.
وهذه هي النقطة التي ينبغي أن يُبنى عليها فهم أمية المصطفى صلى الله عليه وسلم:
لم يكن مصدر علمه الرسالي كتابًا بشريًا، وإنما كان مصدره الوحي الذي أنزله الله تعالى عليه.
والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

عن الكاتب

مفهوم مفهوم منصة معرفية تهدف إلى تبسيط الأفكار العميقة، وتنمية الوعي والتفكير النقدي، عبر مقالات رصينة تُقارب قضايا الفكر، الثقافة، والإنسان بلغة واضحة ورؤية متزنة، بعيدًا عن السطحية والتلقين.
';

اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

المشاركات الشائعة

جميع الحقوق محفوظة

مفهوم