ضربة اقتصادية قوية؟ المغرب يعيد رسم خريطة الغاز ويقلّص الاعتماد على الخارج
من تندرارة إلى الغاز المسال ومشروع أنبوب نيجيريا–المغرب.. هل يدخل المغرب مرحلة جديدة من الأمن الطاقي؟ 🇲🇦🔥
لم يعد ملف الغاز في المغرب مجرد قضية مرتبطة بتأمين حاجيات السوق الوطنية، بل تحول تدريجيًا إلى واحد من أهم الملفات الاقتصادية والاستراتيجية التي يمكن أن تعيد رسم موقع المملكة داخل سوق الطاقة الإقليمي.
فخلال السنوات الأخيرة، بدأ المغرب في بناء مقاربة أكثر تنوعًا تقوم على ثلاثة محاور متوازية: تطوير الإنتاج الغازي المحلي، وتنويع مصادر الاستيراد، وتوسيع البنية التحتية القادرة على استقبال ونقل الغاز.
وفي قلب هذا التحول يبرز حقل تندرارة في شرق المملكة، إلى جانب إمكانات الأحواض الغازية الأخرى، والاستفادة من شبكة أنبوب المغرب العربي–أوروبا، ومشاريع الغاز المسال، فضلًا عن المشروع الاستراتيجي لأنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي الرابط بين نيجيريا والمغرب.
تندرارة.. الغاز المغربي يدخل مرحلة جديدة
يمثل مشروع تندرارة إحدى أبرز الأوراق التي تراهن عليها المملكة لتعزيز إنتاجها المحلي من الغاز الطبيعي.
فبعد سنوات من أعمال الاستكشاف والتطوير، دخل المشروع مرحلة متقدمة، مع تشغيل منظومة تجميع الغاز والاستعداد للإنتاج التجاري من الآبار TE-6 وTE-7.
وكانت المعطيات التي أعلنتها الشركة المشغلة تشير إلى أن المرحلة الأولى تستهدف إنتاج نحو 100 مليون متر مكعب سنويًا من الغاز، على أن يتم تحويله إلى غاز طبيعي مسال في وحدة صغيرة مخصصة لهذا الغرض، وتوجيهه إلى السوق الصناعية المغربية.
وهنا تكمن أهمية تندرارة: فالمغرب لا يبحث فقط عن كمية إضافية من الغاز، وإنما يسعى إلى بناء مصدر محلي يمكن الاعتماد عليه داخل منظومة أمن الطاقة الوطنية.
والأهم أن المشروع لا يتوقف عند مرحلته الأولى.
فالمرحلة الثانية تتضمن تطويرًا أكبر للحقل وربطه بأنبوب المغرب العربي–أوروبا GME، بما يسمح برفع الكميات الموجهة إلى السوق المغربية، خصوصًا قطاع إنتاج الكهرباء والصناعة. وتُظهر المعطيات المتاحة أن اتفاقًا مع المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب يرتبط بإمدادات مستقبلية قد تصل إلى مئات الملايين من الأمتار المكعبة سنويًا.
وفي تطور يعكس توجهًا أكبر نحو تعزيز السيطرة المغربية على سلسلة القيمة، أعلنت مجموعة Managem المغربية خلال 2026 استحواذها على حصة Sound Energy في مشروع تندرارة، لترتفع حصتها إلى 75%، بينما يحتفظ المكتب الوطني للهيدروكاربورات والمعادن بحصة 25%.
وهذا يعني أن مشروع تندرارة أصبح بصورة أكبر تحت قيادة رأس مال مغربي.
هل يتجه المغرب فعلًا إلى التخلص من الغاز القادم عبر إسبانيا؟
الإجابة تحتاج إلى شيء من الدقة.
المغرب لم يقطع علاقته بمسار الغاز عبر إسبانيا، كما أن الاعتماد على الغاز المستورد لم ينتهِ، لكن المؤشرات تظهر أن الاعتماد على هذا المسار أصبح جزءًا من منظومة أوسع بدل أن يكون الحل الوحيد.
فمنذ توقف تدفق الغاز الجزائري عبر أنبوب المغرب العربي–أوروبا في 2021، بدأ المغرب في استخدام الأنبوب في الاتجاه المعاكس، حيث يتم شراء الغاز من الأسواق الدولية ثم إدخاله إلى المغرب عبر محطات الغاز المسال الإسبانية، قبل نقله عبر الأنبوب نحو الأراضي المغربية.
وتؤكد وثائق المكتب الوطني للهيدروكاربورات والمعادن أن المغرب نجح في تفعيل هذا التدفق العكسي من إسبانيا منذ 2022.
لكن البيانات الخاصة بالنصف الأول من 2026 تظهر أن كميات الغاز التي عبرت من إسبانيا إلى المغرب تراجعت بنحو 15.9% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، وفق بيانات منسوبة إلى مشغل الشبكة الإسبانية Enagás ومتابعة الشحنات الدولية.
وهنا تظهر الصورة الأوسع:
المغرب لا يغلق الباب أمام الغاز الإسباني، وإنما يحاول ألا يجعل هذا الباب هو الباب الوحيد.
الغاز المسال.. ورقة استراتيجية أخرى
إلى جانب الإنتاج المحلي، يراهن المغرب على الغاز الطبيعي المسال LNG باعتباره وسيلة للحصول على الغاز من أسواق عالمية متعددة.
وكان المغرب قد أطلق خلال 2025 مسارًا لتطوير مشروع محطة للغاز المسال في ميناء الناظور غرب المتوسط، إلى جانب بنية تحتية للأنابيب تسمح بربط المحطة بشبكة الغاز الوطنية.
لكن في فبراير 2026 أعلنت وزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة تعليق مناقصة محطة الغاز المسال والأنابيب المرتبطة بها، مشيرة إلى وجود "معطيات وافتراضات جديدة" تستوجب إعادة النظر في المشروع.
وهذا التفصيل مهم جدًا؛ لأن القول إن المغرب بصدد تشغيل محطة الناظور بالفعل سيكون غير دقيق.
لكن تعليق المناقصة لا يعني بالضرورة التخلي عن فكرة تنويع مصادر الغاز، بل قد يعكس إعادة تقييم للمشروع في ضوء تطورات السوق العالمية، وتغير الأسعار، وتوقعات الطلب، والتطورات الجيوسياسية.
وماذا عن قطر والولايات المتحدة وأذربيجان؟
هنا يجب التمييز بين تنويع محتمل لمصادر الغاز وبين وجود عقود مغربية مباشرة مؤكدة.
المغرب لديه بالفعل تجربة في شراء الغاز المسال من الأسواق الدولية، ومن بينها الغاز الذي يتم إدخاله عبر البنية التحتية الإسبانية. كما أن شركة Shell وقعت مع المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب اتفاقًا طويل الأجل لتوفير الغاز الطبيعي المسال، بحجم يقارب 0.5 مليار متر مكعب سنويًا، على أن يكون المسار المباشر إلى المغرب جزءًا من التطور المستقبلي لمنظومة الاستيراد.
أما الحديث عن أن المغرب أبرم بالفعل عقودًا مستقلة وكبيرة مع قطر والولايات المتحدة وأذربيجان، فلا تظهر في المصادر التي راجعتها أدلة موثوقة كافية تسمح بتقديم ذلك كحقيقة مكتملة.
بل إن التطورات الحالية في سوق الغاز العالمي تجعل تنويع الموردين أكثر أهمية من أي وقت مضى.
فالولايات المتحدة أصبحت لاعبًا رئيسيًا في سوق الغاز المسال العالمي، بينما تواجه إمدادات قطر اضطرابات جيوسياسية كبيرة في 2026، الأمر الذي دفع العديد من المشترين إلى البحث عن بدائل ومصادر أكثر تنوعًا.
وبالتالي فإن قدرة المغرب مستقبلًا على شراء الغاز من مصادر متعددة ستمنحه هامشًا أكبر في التفاوض، بدل الارتهان لمصدر واحد.
الجزائر.. معادلة تغيرت بالكامل
لا يمكن فهم التحول المغربي في ملف الغاز بعيدًا عن الأزمة التي أدت إلى توقف الغاز الجزائري عبر أنبوب المغرب العربي–أوروبا.
فقد كانت الجزائر في الماضي المورد الرئيسي للغاز عبر الأراضي المغربية نحو إسبانيا، قبل أن تتغير المعادلة بشكل جذري.
وبعد توقف التدفقات الجزائرية عبر الأنبوب في 2021، أصبح المغرب مستوردًا للغاز من الأسواق الدولية، بينما تحولت البنية التحتية نفسها إلى أداة لنقل الغاز في الاتجاه المعاكس من إسبانيا إلى المغرب.
ومن هنا، فإن تطوير الغاز المحلي لا يحمل قيمة اقتصادية فقط، بل يحمل أيضًا قيمة استراتيجية.
كل متر مكعب ينتجه المغرب محليًا يعني، من الناحية الاقتصادية، حاجة أقل إلى الاستيراد.
وكل مورد جديد يضاف إلى قائمة الموردين المحتملين يعني قدرة أكبر على التفاوض.
وكل بنية تحتية جديدة تعني قدرة أكبر على المناورة في سوق الطاقة.
إسبانيا.. من بوابة عبور إلى شريك في منظومة متغيرة
قد يبدو للوهلة الأولى أن تقليص الاعتماد المغربي على الغاز الذي يمر عبر إسبانيا يعني خسارة مباشرة لمدريد.
لكن الصورة أكثر تعقيدًا.
فإسبانيا لعبت خلال السنوات الماضية دورًا مهمًا في إيصال الغاز إلى المغرب من خلال محطات إعادة تحويل الغاز المسال إلى حالته الغازية وشبكة أنابيبها، وهو ما وفر للمغرب حلًا عمليًا بعد توقف الغاز الجزائري.
لكن كلما توسعت قدرة المغرب على استيراد الغاز المسال بصورة مباشرة، وتزايد إنتاجه المحلي، أصبح دوره عبر إسبانيا أقل حصرية.
وهذا يعني أن العلاقة قد تنتقل من الاعتماد على مسار واحد إلى علاقة تجارية أكثر توازنًا.
غرسيف والأحواض المغربية.. البحث عن المزيد
إلى جانب تندرارة، لا تتوقف عمليات البحث عن موارد الغاز في المغرب.
ويملك المغرب أحواضًا ومناطق استكشافية مختلفة، من بينها حوض الغرب الذي شهد تاريخيًا عمليات استكشاف وإنتاج للغاز. وتشير معطيات المكتب الوطني للهيدروكاربورات والمعادن إلى أن تاريخ الاستكشاف النفطي والغازي المغربي يرتبط منذ عقود بحوض الغرب، بينما شهدت تندرارة اكتشافات غازية مهمة لاحقًا.
لكن من المهم عدم تقديم كل المناطق الاستكشافية على أنها حقول إنتاجية مؤكدة؛ فهناك فرق كبير بين الاستكشاف، والموارد المحتملة، والاحتياطات القابلة للاستخراج اقتصاديًا، والإنتاج التجاري الفعلي.
وهذه نقطة أساسية عند تقييم مستقبل الغاز المغربي.
الورقة الأكبر.. أنبوب نيجيريا–المغرب
إذا كان تندرارة يمثل ورقة الغاز المحلي، فإن مشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي يمثل الرؤية الإقليمية الأوسع.
ففي يوليو 2026، وقع أعضاء المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا ECOWAS الاتفاق الحكومي الدولي الخاص بمشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي نيجيريا–المغرب.
ويهدف المشروع إلى إنشاء ممر غازي يربط موارد غرب إفريقيا بمراكز الاستهلاك في المنطقة، وصولًا إلى المغرب وأوروبا.
وإذا تحقق المشروع على المدى الطويل، فإن المغرب لن يكون مجرد مستهلك للغاز، بل يمكن أن يتحول إلى منصة استراتيجية للغاز بين غرب إفريقيا وأوروبا.
وهنا يصبح ملف الغاز مرتبطًا أيضًا بمشروع أكبر: إعادة تشكيل موقع المغرب داخل البنية الطاقية الإفريقية والأوروبية.
الطلب المغربي على الغاز مرشح للارتفاع
المفارقة أن المغرب، رغم سعيه إلى تنويع مصادر الطاقة، لا يتجه بالضرورة إلى تقليل استخدام الغاز على المدى القصير.
بل إن الطلب المتوقع على الغاز مرشح للارتفاع بسبب احتياجات الصناعة وإنتاج الكهرباء.
وكانت وزارة الطاقة المغربية قد أشارت في وثائق مرتبطة بمشاريع الغاز إلى توقع ارتفاع الطلب من نحو مليار متر مكعب إلى مستويات أكبر بكثير خلال السنوات المقبلة، في إطار توسع استخدام الغاز في قطاع الكهرباء والصناعة.
وهذا يجعل قضية الأمن الطاقي أكثر إلحاحًا.
فالمشكلة ليست فقط: من أين سيشتري المغرب الغاز؟
بل أيضًا:
كيف سيضمن الحصول عليه بأسعار تنافسية؟
كيف سيمنع انقطاع الإمدادات؟
وكيف سيوازن بين الغاز والطاقة الشمسية والرياح ومصادر الطاقة الأخرى؟
المغرب لا يبحث عن "غاز أرخص" فقط.. بل عن حرية أكبر
التحول الحقيقي في السياسة المغربية للطاقة لا يتمثل في استبدال الجزائر بإسبانيا، أو إسبانيا بقطر، أو قطر بالولايات المتحدة.
هذه قراءة مبسطة جدًا.
الاستراتيجية الأعمق تبدو أقرب إلى بناء سلة متعددة المصادر:
غاز محلي من تندرارة ومشاريع أخرى.
غاز مسال من السوق الدولية.
استعمال البنية التحتية الإسبانية عند الحاجة.
تطوير بنية تحتية مغربية مستقلة لاستقبال الغاز المسال مستقبلًا.
توسيع شبكة نقل الغاز داخل المملكة.
الاستعداد لمشاريع غازية إقليمية ضخمة مثل أنبوب نيجيريا–المغرب.
وبهذه الطريقة يصبح المغرب أقل عرضة للضغط الذي يمكن أن يمارسه أي مورد واحد.
هل يمكن أن يتحول المغرب إلى لاعب إقليمي؟
هذا هو السؤال الأهم.
فإذا نجح المغرب في رفع إنتاجه المحلي، وتطوير بنيته التحتية، واستكمال مشاريعه الكبرى، والاستفادة من موقعه الجغرافي بين إفريقيا وأوروبا، فقد ينتقل تدريجيًا من دولة تعتمد على استيراد الطاقة إلى دولة تتمتع بدور أكبر في تجارة الطاقة الإقليمية.
لكن الطريق ليس سهلًا.
فالغاز صناعة مكلفة، وتتطلب استثمارات ضخمة، وعقودًا طويلة، وأسعارًا تنافسية، وبنية تحتية متطورة.
كما أن سوق الغاز العالمي شديد الحساسية للأزمات الجيوسياسية.
وقد أظهرت أحداث 2026 بوضوح أن حتى كبار منتجي الغاز المسال يمكن أن يتعرضوا لصدمات مفاجئة؛ فقد أدى اضطراب صادرات قطر إلى زيادة الضغوط على الأسواق العالمية، وارتفعت أهمية الغاز الأمريكي كمصدر بديل.
وهذا يعطي درسًا مهمًا للمغرب:
لا يمكن بناء الأمن الطاقي على مصدر واحد.
الخلاصة
المغرب لا يخوض بالضرورة "حرب غاز" مع الجزائر أو إسبانيا، لكنه يقوم بشيء أكثر أهمية على المدى الطويل: إعادة بناء منظومة أمنه الطاقي على أساس التنويع.
تندرارة يمثل إحدى أهم اللبنات المحلية.
والغاز المسال يوفر نافذة على السوق العالمية.
وأنبوب المغرب العربي–أوروبا يمنح المغرب بنية تحتية قائمة يمكن استخدامها.
أما مشروع أنبوب نيجيريا–المغرب فيحمل طموحًا يتجاوز السوق المغربية نحو بناء ممر طاقي إفريقي–أوروبي.
لذلك فإن الحديث عن "ضربة اقتصادية" يجب أن يفهم بحذر.
القوة الحقيقية ليست في قطع الغاز عن إسبانيا، ولا في الضغط على الجزائر، وإنما في امتلاك خيارات متعددة.
كلما تعددت مصادر الغاز، زادت القدرة على التفاوض.
وكلما ارتفع الإنتاج المحلي، انخفضت هشاشة الاستيراد.
وكلما تطورت البنية التحتية، ازدادت قدرة المغرب على التحكم في مسارات الطاقة.
ومن هذه الزاوية، فإن ما يحدث في قطاع الغاز المغربي قد يكون بالفعل جزءًا من إعادة رسم تدريجية لخريطة الطاقة في شمال إفريقيا، لكن نتائجها النهائية ستتوقف على سرعة تطوير الحقول المحلية، والاستثمارات في البنية التحتية، وأسعار الغاز العالمية، ومدى تقدم المشاريع الكبرى خلال السنوات المقبلة.

إرسال تعليق