الفصل الثاني: اختلاف المصاحف من جهة الرسم والقراءات
بعد أن تبيّن في الفصل الأول أن الحديث عن اختلاف المصاحف القرآنية يحتاج إلى تمييز دقيق بين اختلاف الرسم، واختلاف القراءة، واختلاف الضبط بالشكل والنقط، فإن هذا الفصل يتناول القضية بصورة أعمق: كيف أمكن للرسم العثماني أن يستوعب وجوهاً متعددة من القراءة، ولماذا نجد في كتب القراءات اختلافاً في بعض الحروف والكلمات، بل وفي بعض المواضع زيادةً أو حذفاً بحسب القراءة؟
وهذه المسألة من أدق مسائل علوم القرآن، ولذلك لا يصح تناولها بمجرد المقارنة بين مصاحف مطبوعة في عصرنا؛ لأن المصحف الحديث يجمع بين الرسم والضبط وعلامات القراءة، بينما كانت المصاحف الأولى مجردة في معظمها من النقط والشكل، مما جعل رسم الكلمة قابلاً لبعض الأوجه القرائية المنقولة بالسند. وقد قرر علماء القراءات أن من أركان القراءة الصحيحة موافقتها للرسم العثماني ولو احتمالاً، مع صحة السند وموافقتها وجهاً من وجوه العربية.
1. المصحف العثماني والرسم الذي جمع الأمة
كان من أهم أسباب جمع الناس على المصاحف التي أمر بها الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه أن اتساع الفتوحات ودخول أقوام من لغات مختلفة أدى إلى ظهور اختلاف في وجوه القراءة، فخشي الصحابة أن يتحول اختلاف القراءة إلى اختلاف ونزاع في كتاب الله.
فتم نسخ المصاحف وإرسالها إلى الأمصار، وأصبح الرسم العثماني هو الإطار الذي تُعرف به القراءة المقبولة من غيرها.
وهنا ينبغي التنبيه إلى أمر مهم:
الرسم العثماني ليس هو نفسه القراءة.
فالرسم صورة كتابية، أما القراءة فهي كيفية أداء اللفظ كما تلقاها القراء بالسند.
ولهذا قد تكون الكلمة مكتوبة بصورة واحدة، ثم تحتمل أكثر من وجه في النطق.
وقد أشار ابن الجزري إلى أن المصاحف العثمانية اشتملت على ما يحتمله رسمها من وجوه الأحرف، وهي مسألة وقع فيها خلاف بين العلماء، مع ترجيحه القول بأن المصاحف جمعت ما يحتمله الرسم من الأحرف التي استقر عليها النقل.
2. لماذا جُرِّد الرسم من النقط والشكل؟
إذا نظرنا إلى المصحف في صورته الحالية، فإننا نجد الحروف منقوطة، والكلمات مشكلة بالحركات، وعليها علامات المد والوقف وغيرها.
أما المصاحف الأولى فلم تكن على هذه الصورة التفصيلية.
فمثلاً، الصورة الكتابية القديمة كانت أقل علامات من المصحف الذي بين أيدينا اليوم، وهذا التجريد كان يسمح بأن تُقرأ بعض الكلمات على أكثر من وجه ثابت بالنقل.
وهذا أمر بالغ الأهمية في فهم اختلاف القراءات.
فليس معنى كون الكلمة في المصحف بلا نقطة أو حركة أن كل إنسان يستطيع أن يقرأها بما شاء، وإنما المقصود أن الرسم وحده لا يمنع بعض الأوجه المنقولة بالتلقي.
ولهذا قرر علماء القراءات أن موافقة الرسم تكون أحياناً تحقيقاً وأحياناً تقديراً واحتمالاً.
3. الاختلاف في الحركات دون اختلاف الرسم
وهذا من أبسط أنواع الاختلاف.
فقد يبقى رسم الكلمة واحداً، لكن تختلف القراءة في الحركة.
وهذا النوع لا يؤدي بالضرورة إلى اختلاف في حروف الكلمة المكتوبة، لأن الحركة لم تكن في أصل الرسم العثماني.
وقد يترتب على اختلاف الحركة اختلاف في المعنى أو في الوجه الإعرابي أو البياني، مع بقاء الكلمة في الرسم على صورتها.
ومن أمثلة ذلك القراءات التي يختلف فيها الإعراب أو البناء، مع بقاء الرسم متوافقاً مع الوجهين.
وهذا يبين أن اختلاف القراءة لا يعني بالضرورة وجود مصحف آخر من حيث الكتابة.
4. الاختلاف في الحروف
وهناك نوع آخر يكون الاختلاف فيه متعلقاً ببنية اللفظ أو أحد حروفه، كاختلاف الإبدال أو الزيادة أو الحذف أو اختلاف صيغة الكلمة.
وقد صنف علماء القراءات وجوه الاختلاف بين القراءات إلى أنواع متعددة، منها ما يرجع إلى الحركات، ومنها ما يرجع إلى الحروف، ومنها ما يتصل بالتقديم والتأخير ونحو ذلك.
وقد تناول ابن الجزري هذه الأوجه بالاستقراء، وربط بينها وبين قضية الأحرف السبعة والرسم العثماني.
لكن يجب هنا وضع قاعدة أساسية:
ليس كل اختلاف ورد في كتب القراءات يُعد اختلافاً في القرآن المتواتر.
فكتب القراءات قد تذكر القراءة المتواترة، وقد تذكر القراءة المشهورة، وقد تذكر أوجهاً ضعيفة أو شاذة، ولذلك لا يجوز أن نجمع جميع ما ورد فيها ثم نقول: «هذه كلها مصاحف مختلفة».
5. الزيادة والنقص في بعض الكلمات
من أكثر المسائل إثارة للنقاش أن توجد في بعض القراءات ألفاظ تختلف من حيث الإثبات والحذف.
وقد يبدو لأول وهلة أن هذا يعني وجود مصحف يثبت الكلمة ومصحف آخر يحذفها.
لكن هذه النتيجة تحتاج إلى تدقيق شديد.
فالعلماء الذين بحثوا هذه المسألة قرروا أن موافقة الرسم العثماني لا تعني بالضرورة أن تكون الكلمة مكتوبة بصورة مطابقة لكل وجه قرائي حرفاً بحرف، وإنما قد يحتمل الرسم بعض الأوجه تقديراً.
وهذا هو السبب في أن بعض القراءات التي فيها اختلاف من جهة اللفظ أو الإثبات والحذف بحثها علماء القراءات ضمن علاقة القراءة بالرسم العثماني.
ومن هنا يجب التفريق بين:
المصحف المكتوب، والقراءة المنقولة، والرسم الذي يحتمل القراءة.
وهذه ثلاثة أمور مترابطة، لكنها ليست شيئاً واحداً.
6. هل كانت المصاحف العثمانية متطابقة تماماً؟
الجواب يحتاج إلى تفصيل.
فقد أرسل عثمان رضي الله عنه مصاحف إلى الأمصار، وكان المقصود جمع المسلمين على رسم موحد يمنع الاختلاف والفتنة.
لكن العلماء تحدثوا عن وجود فروق في الرسم بين بعض المصاحف التي أرسلت إلى الأمصار، وهي فروق مرتبطة بما يحتمله الرسم وبالأوجه التي نُقلت في القراءة.
وهذا لا يعني أن كل مصحف كان يحتوي على نص مختلف عن الآخر.
بل المقصود أن الرسم العثماني في مجموعه كان إطاراً جامعاً للقراءات التي صح نقلها ووافقت الرسم.
ولهذا نجد علماء القراءات يتحدثون عن موافقة القراءة لأحد المصاحف العثمانية، ولو من جهة الاحتمال.
7. القراءة والرواية والطريق
ومن الأخطاء التي يقع فيها بعض الباحثين أن يقول:
«قراءة ورش مختلفة عن قراءة نافع».
والأدق أن نقول:
قراءة نافع، ورواية ورش عن نافع.
فالقراءة تنسب إلى الإمام القارئ، مثل:
- قراءة نافع.
- قراءة ابن كثير.
- قراءة أبي عمرو.
- قراءة ابن عامر.
- قراءة عاصم.
- قراءة حمزة.
- قراءة الكسائي.
- ثم القراءات الثلاث المتممة للعشر.
أما الرواية فتنسب إلى الراوي عن الإمام، مثل:
ورش عن نافع، وقالون عن نافع.
وقد اعتنى علماء القراءات بهذا التفريق؛ لأن تعدد الروايات والطرق لا يعني تعدد المصاحف القرآنية بمعنى وجود كتب متناقضة، وإنما يتعلق بكيفيات الأداء التي ثبت نقلها.
8. هل القراءات السبع هي الأحرف السبعة؟
وهذه من أهم القضايا التي ينبغي أن تكون واضحة للقارئ.
القراءات السبع ليست هي الأحرف السبعة.
فمصطلح القراءات السبع ارتبط باختيار الإمام ابن مجاهد لسبعة من أئمة القراءة في القرن الرابع الهجري، ثم اشتهر هذا الاصطلاح بعد ذلك.
أما الأحرف السبعة فهي مسألة أخرى ورد فيها الحديث الصحيح، واختلف العلماء في تفسير المراد بها اختلافاً واسعاً.
وقد بيّن علماء القراءات أن القراءات الصحيحة ليست محصورة في القراء السبعة، بل اشتهرت بعد ذلك القراءات العشر، وهي التي استقر عليها اصطلاح جمهور أهل هذا الفن.
وهذا التفريق ضروري جداً في موضوع كتابنا؛ لأن الخلط بين الأحرف السبعة والقراءات السبع يؤدي إلى أخطاء كبيرة في فهم تاريخ المصاحف.
9. أركان القراءة الصحيحة
وضع أئمة القراءات ضوابط دقيقة للتمييز بين القراءة المقبولة والقراءة غير المقبولة.
ومن أشهر ما قرره ابن الجزري أن القراءة الصحيحة تقوم على ثلاثة أركان:
أولاً: صحة السند.
ثانياً: موافقة العربية ولو بوجه.
ثالثاً: موافقة الرسم العثماني ولو احتمالاً.
فإذا اجتمعت هذه الأركان كانت القراءة صحيحة، وإذا اختل ركن منها لم تعد القراءة في درجة القبول نفسها. وقد نقلت المصادر عن ابن الجزري تقرير هذه الأركان بوضوح.
وهذا الضبط العلمي يمنعنا من تحويل كل اختلاف لغوي أو كل كلمة منسوبة إلى بعض القراء إلى «قراءة قرآنية متواترة».
10. لماذا نجد مصاحف مطبوعة مختلفة في عصرنا؟
عندما يدخل القارئ اليوم إلى مكتبة أو يرى مصحفاً في بلد عربي أو إسلامي، قد يجد مصحفاً مكتوباً على رواية ورش، ومصحفاً آخر على رواية حفص، وربما مصحفاً على رواية قالون.
وقد تختلف بعض الكلمات في طريقة ضبطها أو في بعض وجوه القراءة.
لكن هذه المصاحف ليست كتباً متعارضة.
فالاختلاف هنا ناشئ عن الرواية القرائية التي ضُبط عليها المصحف، مع بقاء الالتزام بالرسم العثماني والضوابط المعتبرة.
وفي المغرب، على سبيل المثال، اشتهرت رواية ورش عن نافع، وهي جزء من التراث القرائي المتلقى في بلاد المغرب، بينما اشتهرت رواية حفص عن عاصم في مناطق واسعة من العالم الإسلامي.
ومن الخطأ أن يقال إن وجود روايتين يعني وجود قرآنين.
بل الأدق أن يقال:
إن النص القرآني المنقول محفوظ، وتتنوع كيفية أدائه في القراءات التي ثبت نقلها.
11. الفرق بين اختلاف المصحف واختلاف القراءة
يمكن تلخيص المسألة في الجدول الآتي:
| المسألة | معناها |
|---|---|
| اختلاف الرسم | اختلاف في الصورة الكتابية للكلمة |
| اختلاف الضبط | اختلاف في الحركة أو العلامة |
| اختلاف القراءة | اختلاف ثابت في كيفية أداء اللفظ |
| اختلاف الرواية | ما نقل عن راوٍ معين عن الإمام |
| اختلاف الطريق | وجه من وجوه النقل داخل الرواية |
| القراءة الشاذة | قراءة فقدت ركناً من أركان القبول |
| المصحف المطبوع | يجمع الرسم والضبط وعلامات القراءة |
ولهذا فإن عنوان الكتاب «اختلاف المصاحف القرآنية» ينبغي أن يُفهم على أنه دراسة تاريخية وعلمية لاختلاف الرسم والقراءات والروايات وطرق الضبط، لا دعوى وجود كتب متناقضة في أصل القرآن.
خلاصة الفصل الثاني
إن دراسة المصاحف لا يمكن أن تكون صحيحة إذا نظرنا إلى الصفحة المطبوعة وحدها، دون معرفة تاريخ الرسم العثماني وعلوم القراءات.
فالرسم العثماني كان عاملاً أساسياً في ضبط الكتابة القرآنية، وقد صيغ بطريقة احتملت بعض الأوجه القرائية التي ثبت نقلها. كما أن اختلاف القراءة لا يعني بالضرورة اختلاف الرسم، واختلاف الرسم في بعض المواضع لا يعني وجود قرآنين متناقضين.
والقاعدة التي ينبغي أن تبقى حاضرة طوال هذا الكتاب هي:
ليس كل اختلاف في اللفظ اختلافاً في المصحف، وليس كل اختلاف في الرسم اختلافاً في القرآن، وليس كل ما نسب إلى القراءة في الكتب من القراءات المتواترة.
ومن هنا نصل في الفصل القادم إلى الجانب الأكثر إثارة في الموضوع، وهو أنواع الاختلاف بين القراءات والمصاحف من حيث زيادة الحروف ونقصها، وزيادة الكلمات ونقصها، والإفراد والجمع، والتذكير والتأنيث، والإبدال، والتقديم والتأخير، مع دراسة أمثلة قرآنية محددة وبيان موقف علماء القراءات منها.


إرسال تعليق