مفهوم مفهوم

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

من «أُمِّيَّة النبي» إلى حرب التكفير والتحريض: كيف تحوّل خلاف فكري في المغرب إلى معركة إلكترونية؟

 

من «أُمِّيَّة النبي» إلى حرب التكفير والتحريض: كيف تحوّل خلاف فكري في المغرب إلى معركة إلكترونية؟

حين يصبح سؤالٌ في التفسير شرارةً لمعركة على مواقع التواصل

لم يكن المغاربة يتوقعون أن تتحول تدوينة حول مفهوم «أمية النبي صلى الله عليه وسلم» إلى واحدة من أكثر القضايا الدينية إثارة للجدل على مواقع التواصل الاجتماعي خلال الأيام الأخيرة.

لكن هذا ما حدث بعد أن نشر الدكتور محمد الفايد تدوينة ومقاطع لاحقة تناول فيها مفهوم «النبي الأمي»، وقدم قراءة مخالفة للفهم الذي استقر عليه جمهور العلماء، مؤكداً في توضيحاته أن مقصده ليس الانتقاص من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما مناقشة معنى «الأمية» ورفض ربطها بالجهل أو العجز عن المعرفة.

وما كان يمكن أن يكون نقاشاً علمياً حول اللغة والتفسير والسيرة والحديث، سرعان ما تحول إلى مواجهة حادة بين تيارات دينية مختلفة، ثم إلى حرب إلكترونية اتخذت في بعض جوانبها لغة شديدة الخطورة، من التكفير والتشهير إلى التهديد والتحريض.

وهنا تطرح القضية سؤالاً أكبر من شخص محمد الفايد أو خصومه:

هل أصبح المجتمع عاجزاً عن مناقشة القضايا الدينية المختلف فيها دون أن يتحول الاختلاف إلى تكفير وتهديد وخصومة شخصية؟


الفايد يطرح قراءة مختلفة

جوهر القضية يتعلق بكلمة «الأمي» الواردة في القرآن الكريم في وصف النبي صلى الله عليه وسلم:

﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾.

الفهم الأشهر عند جمهور المفسرين أن أُميّة النبي صلى الله عليه وسلم تعني أنه لم يكن يقرأ ويكتب، وأن ذلك من وجوه الإعجاز والدلالة على أن القرآن الكريم ليس ثمرة تعلم بشري أو اقتباس من الكتب السابقة.

ويستند هذا الاتجاه، من جملة ما يستند إليه، إلى قوله تعالى:

﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: 48].

لكن الفايد قدم قراءة أخرى للمفهوم، معتبراً أن «الأمي» لا ينبغي أن يُفهم باعتباره مرادفاً للجهل، وأن القضية تحتاج إلى إعادة بحث لغوي وتفسيري.

وهنا يجب تسجيل نقطة مهمة:

وجود رأي مخالف في تفسير لفظ قرآني لا يعني بالضرورة أن صاحبه قصد الإساءة إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

وقد تناولت مصادر صحفية حديثة القضية باعتبارها خلافاً حول مدلول «الأمية»، مع الإشارة إلى أن الفايد قدم لاحقاً توضيحات بشأن مقصده.


بين «الأمي» و«الجاهل» مسافة كبيرة

من الأخطاء التي ساهمت في إشعال المعركة الخلط بين مفهومين مختلفين:

الأمية ليست مرادفة للجهل.

فحتى على القول بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يقرأ ويكتب، فهذا لا يعني بأي حال أنه كان جاهلاً.

بل القرآن نفسه يشهد للنبي صلى الله عليه وسلم بعظيم العلم والحكمة، قال تعالى:

﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ [النساء: 113].

والفرق جوهري بين إنسان لا يعرف القراءة والكتابة بالمعنى الاصطلاحي، وبين إنسان جاهل.

فالقراءة والكتابة مهارتان بشريتان، أما العلم والحكمة فمجالهما أوسع بكثير.

ولهذا فإن مناقشة معنى «الأمية» يجب أن تتم بعيداً عن إيحاءات مثل «النبي الجاهل»، لأن هذه العبارة تحمل معنى لم يقل به المسلمون أصلاً.


لماذا انفجر الغضب؟

المشكلة لم تكن في السؤال وحده، وإنما في طريقة طرحه والسياق الذي جاء فيه.

فقد اعتبر منتقدو الفايد أن صياغته تحمل تشكيكاً في الفهم الإسلامي المتوارث لمفهوم أمية الرسول، بينما رأى أنصاره أنه يمارس حقه في الاجتهاد وطرح الأسئلة.

ومع انتشار المنشور، انتقل النقاش من:

ما معنى «الأمي»؟

إلى:

هل الفايد تطاول على النبي؟

ثم انتقل إلى سؤال أخطر:

هل يجوز تكفيره؟

وهنا خرج النقاش من دائرة البحث العلمي ودخل منطقة شديدة الحساسية.


التكفير... عندما يتحول الخلاف إلى حكم على الأشخاص

من أخطر ما ظهر في هذه القضية صدور تصريحات من بعض الدعاة والمنتقدين تصف كلام الفايد بالكفر، بل إن الشيخ محمد الحسن ولد الددو وصف ما صدر عنه بـ«الكفر البواح» ودعا إلى رفع الأمر إلى الجهات الرسمية والقضائية.

وهنا ينبغي التفريق بين أمرين:

نقد الفكرة شيء، وتكفير صاحبها شيء آخر.

قد يقول عالم:

هذا الكلام خطأ.

أو:

هذا التأويل مخالف لجمهور العلماء.

أو:

هذه العبارة مسيئة أو غير منضبطة.

لكن الانتقال من ذلك إلى الحكم على الشخص بالكفر ليس مسألة بسيطة.

فالفقه الإسلامي نفسه عرف باباً واسعاً من التحذير من التسرع في التكفير، لأن الحكم على المسلم بالكفر من أخطر الأحكام.

والأخطر من التكفير هو أن يتحول التكفير إلى تحريض على العنف.


من التكفير إلى التهديد

مع احتدام المواجهة، ظهرت على مواقع التواصل عبارات بالغة الخطورة، وتداولت بعض الصفحات حديثاً عن «إهدار الدم» و«القتل» و«قطع الرأس»، في الوقت الذي دخل فيه أنصار الطرفين في سجالات وتهديدات متبادلة.

لكن من الضروري هنا عدم الخلط بين:

موقف عالم أو داعية موثق بتسجيل أو نص واضح،

وبين:

تعليق كتبه مجهول على فيسبوك أو منشور نشره حساب غير معروف.

فالقول إن «الوهابية قررت قتل الفايد» تعميم لا يصح صحفياً دون أدلة.

وفي المقابل، فإن وجود تهديدات فردية على الإنترنت ــ إن ثبتت ــ أمر خطير مهما كان صاحبها، سواء كان مؤيداً للفايد أو معارضاً له.

فالتحريض على قتل شخص لا يصبح مقبولاً لأنه يحمل رأياً نختلف معه.


حرب إلكترونية بين معسكرين

سرعان ما انقسمت منصات التواصل إلى معسكرين.

معسكر يرى أن الفايد تجاوز الخطوط الحمراء وتعرض لمقام النبوة، ويطالب بالرد عليه ومحاسبته.

ومعسكر يرى أن الرجل مارس اجتهاداً فكرياً، وأن الرد عليه ينبغي أن يكون بالحجة والبرهان لا بالتكفير والتحريض.

ثم ظهرت طبقة ثالثة أكثر خطورة:

أشخاص لا يناقشون الفكرة أصلاً، وإنما يحرضون على الأشخاص.

وهؤلاء حوّلوا القضية إلى معركة:

فايديون ضد سلفيين.

مؤيدون ضد معارضين.

«علماء» ضد «علمانيين».

وهكذا أصبح النقاش حول كلمة قرآنية مناسبة لإنتاج آلاف الشتائم والاتهامات والتهديدات.


المشكلة ليست في الاختلاف... بل في طريقة إدارة الاختلاف

إذا كان الفايد مخطئاً في تفسيره، فهناك عشرات الطرق للرد عليه.

يمكن للعالم أن يكتب بحثاً في تفسير الآيات.

ويمكن للمحدث أن يناقش الأحاديث المتعلقة بكتابة النبي صلى الله عليه وسلم.

ويمكن للغوي أن يبحث في أصل كلمة «أمي».

ويمكن للمؤرخ أن يناقش الروايات المتعلقة بالقراءة والكتابة.

ويمكن للفقيه أن يبين موقف جمهور العلماء.

ويمكن للباحث أن يقارن بين أقوال المفسرين.

كل ذلك يسمى:

نقاشاً علمياً.

أما أن يتحول الخلاف إلى سب وتكفير وتهديد، فهذا ليس انتصاراً للدين.


وهل كل رأي مخالف هو تطاول على النبي؟

هذه من أهم الأسئلة التي فرضتها القضية.

ليس كل رأي خاطئ إساءة.

وليس كل تفسير مخالف للجمهور سباً.

وليس كل سؤال مستفز تكفيراً.

وفي الوقت نفسه، فإن حرية البحث لا تعني أن الإنسان معصوم من النقد.

إذا استخدم الباحث عبارة مستفزة أو غير دقيقة، فمن حق العلماء والباحثين أن يردوا عليه بقوة علمية.

وإذا كان استدلاله ضعيفاً، فيمكن تفنيده.

وإذا أخطأ في فهم حديث، فيمكن بيان خطئه.

وإذا أخطأ في تفسير آية، فليُصحح تفسيره.

لكن الحجة تواجه بالحجة، لا بالسيف.


النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن بحاجة إلى الشتائم للدفاع عنه

المفارقة الكبرى أن الذين يرفعون شعار الدفاع عن النبي صلى الله عليه وسلم يجب أن يتذكروا أن القرآن نفسه علم المسلمين كيف يتعاملون مع المخالفين.

قال تعالى:

﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: 125].

والآية لم تقل:

جادلهم بالشتائم.

ولا قالت:

كفّرهم.

ولا قالت:

هددهم بالقتل.

بل قالت:

﴿وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾.

والدفاع عن النبي صلى الله عليه وسلم لا يكون بتشويه أخلاق أتباعه.


وفي المقابل... حرية التعبير ليست حصانة من النقد

ومن الإنصاف أيضاً ألا يتحول الدفاع عن الفايد إلى تقديس له.

الدكتور محمد الفايد ليس فوق النقد.

وكونه باحثاً أو أستاذاً أو صاحب حضور جماهيري لا يمنحه حصانة من الخطأ.

إذا قدم اجتهاداً في قضية دينية، فمن حق العلماء والباحثين أن يناقشوه.

بل إن النقاش العلمي الجاد قد يكون مفيداً للجميع.

لكن هناك فرقاً بين:

«أنت مخطئ وسأثبت خطأك بالدليل»

وبين:

«أنت كافر ويجب التخلص منك».

الأول نقاش.

والثاني تهديد للمجتمع.


من يتحمل مسؤولية الحرب الإلكترونية؟

المسؤولية هنا مشتركة.

مسؤولية من نشر عبارات استفزازية دون مراعاة حساسية الموضوع.

ومسؤولية من اقتطع الكلام من سياقه.

ومسؤولية من نقل اتهامات دون تحقق.

ومسؤولية من حوّل الخلاف الديني إلى معركة شخصية.

ومسؤولية من يطلق أحكام التكفير على مواقع التواصل وكأنه يصدر أحكاماً قضائية.

ومسؤولية من يرد على التكفير بتكفير مضاد.

ومسؤولية من يعتقد أن «نصرة النبي» تعني إسكات المخالف بأي وسيلة.


المغرب أمام ظاهرة أخطر من قضية الفايد

القضية في حقيقتها أكبر من محمد الفايد.

إنها تكشف مشكلة متنامية في المجال الرقمي العربي:

سهولة انتقال المجتمع من الحوار إلى الخصومة، ومن الخصومة إلى التخوين، ومن التخوين إلى التكفير، ومن التكفير إلى التحريض.

مواقع التواصل الاجتماعي جعلت كل شخص قادراً على إصدار «فتوى» خلال ثوان.

وأصبح البعض ينصب نفسه قاضياً ومفتياً ومنفذاً للعقوبة في الوقت نفسه.

وهذا خطر حقيقي على المجتمع.

فالدولة لها قوانينها ومؤسساتها.

والعلماء لهم مجالهم العلمي.

والقضاء له اختصاصه.

أما المواطن العادي فلا يملك أن يحول حكماً عقدياً أو فقهياً إلى إذن بممارسة العنف.


أمية النبي... قضية علمية تستحق البحث لا الدم

قد يختلف المسلمون في تفسير «الأمي».

وقد يرى فريق أن المقصود عدم القراءة والكتابة.

وقد يبحث فريق آخر في المعاني اللغوية المختلفة للكلمة.

وقد يناقش الباحثون الروايات المتعلقة بكتابة النبي صلى الله عليه وسلم في السيرة والحديث.

وهذه كلها قضايا يمكن أن تملأ عشرات الكتب والدراسات.

لكنها لا تستحق قطرة دم واحدة.

فالاختلاف في تفسير نص ديني لا ينبغي أن يتحول إلى صراع جسدي.

وإذا كان هناك خطأ في كلام الفايد، فليقدم خصومه الأدلة.

وإذا كان هناك خطأ في ردود خصومه، فليقدم مؤيدوه الأدلة.

وفي النهاية يبقى القارئ هو الذي يزن الحجج.


الكلمة الأخيرة

قضية محمد الفايد كشفت شيئاً مؤلماً في واقعنا:

نحن نجيد الاختلاف، لكننا لا نجيد دائماً إدارة الاختلاف.

نجيد رفع الصوت أكثر مما نجيد رفع مستوى الحجة.

ونجيد إطلاق الاتهام أكثر مما نجيد قراءة النص.

ونجيد الدفاع عن الأشخاص أكثر مما نجيد الدفاع عن الأفكار.

إن كان الفايد أخطأ، فليُصحح.

وإن كان استدلاله ضعيفاً، فليُفنّد.

وإن كانت عبارته مستفزة، فليُنتقد أسلوبه.

وإن كان هناك ما يستوجب المساءلة القانونية، فالقانون والمؤسسات موجودة.

أما التكفير الجماعي، والتحريض على القتل، والتهديد بقطع الرؤوس، والانتقام من المخالفين، فليست طريقاً للدفاع عن الإسلام ولا عن النبي صلى الله عليه وسلم.

النبي الذي نختلف باسمه يجب أن يكون اختلافنا على الأقل من أخلاقه.

فقد تكون كلمة «أمي» هي موضوع الخلاف اليوم، لكن السؤال الأخطر الذي ينبغي أن يشغلنا جميعاً هو:

متى نتعلم أن نختلف دون أن يتحول اختلافنا إلى كراهية؟

ومتى ندرك أن قوة الفكرة لا تظهر في قدرتها على إسكات خصومها، وإنما في قدرتها على إقناعهم بالحجة؟

عن الكاتب

مفهوم مفهوم منصة معرفية تهدف إلى تبسيط الأفكار العميقة، وتنمية الوعي والتفكير النقدي، عبر مقالات رصينة تُقارب قضايا الفكر، الثقافة، والإنسان بلغة واضحة ورؤية متزنة، بعيدًا عن السطحية والتلقين.
';

اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

المشاركات الشائعة

جميع الحقوق محفوظة

مفهوم