أعلان الهيدر

المشاركات الشائعة

الجمعة، 3 يوليو 2026

الرئيسية من يحاول تغيير الهوية الدينية للمغاربة؟.. قراءة في أساليب الخطاب المتشدد داخل بعض المساجد

من يحاول تغيير الهوية الدينية للمغاربة؟.. قراءة في أساليب الخطاب المتشدد داخل بعض المساجد

 من يحاول تغيير الهوية الدينية للمغاربة؟.. قراءة في أساليب الخطاب المتشدد داخل بعض المساجد



أخبار اليوم 24


لم يكن اختيار المغاربة للمذهب المالكي، والعقيدة الأشعرية، والتصوف السني، ورواية ورش عن نافع، حدثًا عابرًا أو قرارًا ظرفيًا، بل هو ثمرة قرون من الاجتهاد العلمي والاستقرار الديني الذي أسهم في حفظ وحدة المجتمع وتجنيبه الصراعات المذهبية التي عرفتها بلدان أخرى.


واليوم، ورغم هذا الإرث التاريخي، تبرز بين الحين والآخر محاولات من بعض الأفراد لنشر خطاب متشدد داخل بعض المساجد أو في محيطها، أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي، يقوم على التشكيك في الثوابت الدينية للمغاربة، وإثارة الجدل حول قضايا استقر عليها العمل منذ مئات السنين.


ويعتمد أصحاب هذا الخطاب، في كثير من الأحيان، على أسلوب يبدأ بالمظهر الخارجي، إذ يحرص بعضهم على ارتداء لباس غير مألوف أو الظهور بهيئة تلفت انتباه الناس، في محاولة لإضفاء صورة توحي بامتلاك الحقيقة المطلقة أو التميز عن بقية المسلمين.


بعد ذلك يبدأ الجانب الفكري، حيث يتم الطعن في المذهب المالكي واتهامه بمخالفة السنة في عدد من المسائل الفقهية، مع تجاهل أن هذا المذهب هو أحد المذاهب السنية الأربعة التي أجمعت الأمة على اعتبارها مدارس فقهية معتبرة، وأن علماءه خدموا الإسلام عبر قرون طويلة، وقدموا تراثًا علميًا غنيًا في الفقه والأصول والحديث.


ولا يقف الأمر عند حدود الاختلاف الفقهي، بل يتطور أحيانًا إلى انتقاد طريقة أداء الصلاة عند المالكية، والطعن في بعض هيئاتها التي استندت إلى اجتهادات معتبرة عند علماء المذهب، وكأن المسائل الاجتهادية تحولت إلى معيار للحكم على صحة تدين الناس.


ومن القضايا التي يثيرها هذا الخطاب أيضًا الهجوم على الذكر الجماعي وقراءة الحزب الراتب، وهما من المظاهر الدينية المعروفة في المغرب منذ قرون، حيث يصفها بعض المتشددين بأنها بدع، متجاهلين أن هذه المسائل كانت محل نقاش بين العلماء، وأن الخلاف فيها لا يبرر تبديع المسلمين أو تفريق جماعتهم.


كما يمتد الخطاب إلى التشكيك في رواية ورش عن نافع، التي اعتمدها المغاربة منذ أجيال، مع أن القراءات القرآنية المتواترة جميعها صحيحة وثابتة، ولا يجوز جعل الاختلاف بينها سببًا للطعن في المسلمين أو التشكيك في عباداتهم.


ومن أخطر مظاهر هذا التوجه استهداف أئمة المساجد، عبر التقليل من علمهم، أو اتهامهم بالجهل، أو التحريض عليهم أمام المصلين، وهو سلوك قد يؤدي إلى زعزعة الثقة في المؤسسة الدينية، وإحداث الفوضى داخل بيوت الله، بدل أن تبقى أماكن للسكينة والعبادة.


ويرى باحثون في الشأن الديني أن المتشددين يعتمدون غالبًا على مخاطبة الشباب وحديثي الالتزام، من خلال تقديم أنفسهم باعتبارهم وحدهم المتمسكين بالسنة، بينما يصورون بقية المسلمين على أنهم واقعون في الأخطاء والبدع، وهو خطاب يقوم على صناعة الانقسام بدل نشر الرحمة.


والثابت في التراث الإسلامي أن الاختلاف الفقهي لا يفسد الأخوة بين المسلمين، فقد اختلف الأئمة الأربعة في عشرات المسائل، ومع ذلك بقي الاحترام المتبادل بينهم قائمًا، ولم يكن أحدهم يصف الآخر بالضلال أو يطعن في دينه.


إن النموذج الديني المغربي أثبت عبر التاريخ أنه نموذج قائم على الوسطية والاعتدال، وقد أسهم في حماية البلاد من كثير من مظاهر الغلو والتطرف، وهو ما جعل المغرب يحظى بتقدير واسع في مجال تدبير الشأن الديني وتكوين الأئمة ونشر قيم التسامح.


ولا يعني الدفاع عن الثوابت الدينية رفض الحوار العلمي أو إغلاق باب الاجتهاد، وإنما يعني أن يكون النقاش قائمًا على العلم والاحترام، بعيدًا عن التحريض وإثارة الفتن داخل المساجد أو تحويل الخلافات الفقهية إلى معارك تمزق وحدة المسلمين.


إن الحفاظ على وحدة المغاربة الدينية مسؤولية مشتركة بين العلماء والأئمة والإعلام والأسرة والمؤسسات التربوية، لأن المسجد يجب أن يبقى فضاءً للعبادة والتزكية والعلم، لا منبرًا للصراعات المذهبية أو لتصفية الحسابات الفكرية.


وفي زمن تتسارع فيه وسائل نشر الأفكار، تبقى الحكمة والاعتدال والرجوع إلى العلماء الراسخين هي السبيل الأمثل لحماية المجتمع من كل خطاب يسعى إلى بث الفرقة بين المسلمين، وترسيخ ثقافة الاحترام والرحمة التي جاء بها الإسلام، والتي شكلت عبر التاريخ أحد أبرز عناصر قوة الهوية الدينية للمغرب.

يتم التشغيل بواسطة Blogger.