استهتار الموظفين بحقوق المواطنين... عندما يصبح الانتظار سياسة غير معلنة
المواطن ليس متسولًا لحقه... والإدارة وُجدت لخدمته لا لتعذيبه
في الوقت الذي تتحدث فيه الدولة عن تحديث الإدارة، ورقمنة الخدمات، وتقريب المرفق العمومي من المواطن، لا يزال الواقع في بعض الإدارات يكشف عن مشاهد تثير الاستياء. مواطنون يصطفون منذ ساعات الصباح الأولى، وآخرون يفترشون الأرصفة في انتظار فتح الأبواب أو وصول الموظفين، بينما تمر الدقائق والساعات دون أن تتحرك عجلة الخدمة.
إن احترام أوقات العمل ليس ترفًا إداريًا، بل هو واجب قانوني وأخلاقي. وتأخر بعض الموظفين عن الالتحاق بمكاتبهم، أو التأخر في استقبال المرتفقين، لا يعني فقط إضاعة الوقت، بل يمثل مساسًا بحقوق المواطنين الذين قد يكونون قدموا من مناطق بعيدة، أو تغيبوا عن أعمالهم، أو أنفقوا من مالهم من أجل وثيقة كان يفترض أن يحصلوا عليها في وقت معقول.
ولا تتوقف المعاناة عند حدود الانتظار، بل تمتد إلى مسلسل من التنقلات المتكررة بين المكاتب، وطلبات وثائق إضافية، وتأجيلات متكررة، وملفات تبقى حبيسة الرفوف دون مبرر واضح. وفي كثير من الحالات، تتعطل مصالح الناس، وتتأخر إجراءات إدارية كان من الممكن إنجازها في وقت وجيز لو تم احترام قواعد العمل وحسن تدبير المرفق العام.
والأخطر من ذلك أن هذا البطء الإداري ينعكس مباشرة على الاقتصاد والاستثمار. فكم من مشروع تأخر بسبب انتظار رخصة أو شهادة إدارية؟ وكم من مستثمر صرف النظر عن مشروعه بسبب التعقيدات الإدارية؟ وكم من شاب فقد فرصة عمل أو تمويل لأنه لم يتمكن من جمع الوثائق المطلوبة في الوقت المناسب؟ إن تعطيل الإدارة لا يضر بالأفراد فقط، بل ينعكس على التنمية وفرص التشغيل وجاذبية الاستثمار.
وعندما يصبح الحصول على الخدمة مرهقًا وبطيئًا، تنشأ بيئة قد تستغلها بعض النفوس الضعيفة، فتظهر ممارسات غير قانونية مثل الوساطة أو الرشوة لتسريع الملفات، وهو ما يضرب في العمق مبدأ تكافؤ الفرص وسيادة القانون. ولا يعني ذلك أن جميع الموظفين متورطون في مثل هذه السلوكيات، فهناك موظفون أكفاء ونزهاء يؤدون واجبهم بإخلاص ويستحقون كل التقدير، لكن وجود ممارسات سلبية في بعض الإدارات يفرض مواجهتها بجدية وحزم.
إن الإدارة العمومية ليست ملكًا للموظف، بل هي مؤسسة في خدمة المواطن. والراتب الذي يتقاضاه الموظف مصدره المال العام، ولذلك فإن أداء الواجب بإخلاص واحترام المرتفقين ليس منّةً ولا فضلًا، وإنما التزام مهني وقانوني.
إن الإصلاح الحقيقي يبدأ من فرض الانضباط داخل الإدارات، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتفعيل آليات مراقبة الحضور واحترام أوقات العمل، وتسريع رقمنة الخدمات، وتمكين المواطنين من تقديم شكاياتهم وتتبعها، مع اتخاذ الإجراءات اللازمة في حق كل من يثبت تقصيره أو إخلاله بواجباته.
لقد آن الأوان لأن تنتهي معاناة المواطن مع الطوابير الطويلة، والأبواب المغلقة، وساعات الانتظار التي تهدر الكرامة والوقت. فالمواطن شريك في بناء الوطن، وليس عبئًا على الإدارة، وخدمته بكفاءة واحترام هي المعيار الحقيقي لنجاح أي إصلاح إداري.
إن احترام المواطن يبدأ باحترام وقته، وإن احترام القانون يبدأ من داخل الإدارة نفسها.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق